فهرس الكتاب

الصفحة 2105 من 4314

و المجيبون هم الملأ من قومه والأشراف والكبراء الذين كفروا به ولم يتعرضوا في جوابهم لما ألقى إليهم من حجة التوحيد بل إنما اشتغلوا بنفي رسالته والاستكبار عن طاعته فإن قوله:"إني لكم نذير مبين"إلى آخر الآيتين ، كان مشتملا على دعوى الرسالة وملوحا إلى وجوب الاتباع وقد صرح به فيما حكي عنه في موضع آخر ، قال تعالى:"قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون:"نوح: - 3.

ومحصل ما نقله الله تعالى من جوابهم هو أنه لا دليل على لزوم اتباعك بل الدليل على خلافه فهو في الحقيقة حجتان منظومتان على طريق الإضراب والترقي ولذلك أخر قولهم:"بل نظنكم كاذبين".

والحجة الأولى التي مدلولها عدم الدليل على وجوب اتباعه مبينة بطرق ثلاث هي قوله:"ما نراك إلا بشرا"إلخ ، وقوله:"و ما نراك اتبعك"إلخ ، وقوله:"و ما نرى لكم علينا".

إلخ.

والحجة بجميع أجزائها مبنية على إنكار ما وراء الحس كما سنبين ولذلك كرروا فيه قولهم: ما نراك ونرى.

فقوله:"ما نراك إلا بشرا مثلنا"أول جوابهم عما يدعيه نوح (عليه السلام) من الرسالة ، وقد تمسكوا فيه بالمماثلة كما هو دأب سائر الأمم مع أنبيائهم على ما حكاه الله تعالى في كتابه وتقريره: أنك مثلنا في البشرية ولو كنت رسولا إلينا من عند الله لم تكن كذلك ولا نشاهد منك إلا أنك بشر مثلنا ، وإذ كنت بشرا مثلنا لم يكن هناك موجب لاتباعك.

ففي الكلام تكذيب لرسالته (عليه السلام) بأنه ليس إلا بشرا مثلهم ثم استنتاج من ذلك أنه لا دليل على لزوم اتباعه ، والدليل على ما ذكرنا قول نوح (عليه السلام) فيما سيحكيه الله تعالى من كلامه:"يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي"إلخ.

وقد اشتبه الأمر على بعض المفسرين فقرر قولهم:"ما نراك إلا بشرا مثلنا"بأنهم ساووه بأنفسهم في الزنة الاجتماعية واستنتجوا منها أنه لا وجه لاتباعهم له ، قال في تفسير الآية: أجابوه بأربع حجج داحضة.

إحداها: أنه بشر مثلهم فساووه بأنفسهم في الجملة ، وهذا يدل على أنه (عليه السلام) كان من طبقتهم أو ما يقرب منها في بيته وفي شخصه وهكذا كان كل رسول من وسط قومه ، ووجه الجواب أن المساواة تنافي دعوى تفوق أحد المتساويين على الآخر بجعل أحدهما تابعا طائعا والآخر متبوعا مطاعا لأنه ترجيح بغير مرجح.

انتهى.

ولو كان المعنى ما ذكره لكان من حق الكلام أن يقال: أنت مثلنا أو نراك مثلنا دون أن يقال: ما نراك إلا بشرا مثلنا فيذكر أنه بشر ولا حاجة إلى الإشارة إلى بشريته ، ولكان معنى الكلام عائدا إلى المراد من قولهم بعد: وما نرى لكم علينا من فضل ، وكان فضلا من الكلام.

ومن العجب استفادته من الكلام مساواته (عليه السلام) لهم في البيت والشخصية ثم قوله:"و هكذا كان كل رسول من وسط قومه"وفي الرسل مثل إبراهيم وسليمان وأيوب (عليهما السلام) .

وقوله:"و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"قال في المفردات ،: الرذل - بفتح الراء - والرذال - بكسرها - المرغوب عنه لرداءته قال تعالى:"و منكم من يرد إلى أرذل العمر"وقال:"إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"وقال:"قالوا أ نؤمن لك واتبعك الأرذلون"جمع الأرذل.

وقال في المجمع ،: الرذل الخسيس الحقير من كل شيء والجمع أرذل ثم يجمع على أراذل كقولك: كلب وأكلب وأكالب ، ويجوز أن يكون جمع الأرذل فيكون مثل أكابر جمع أكبر.

وقال: والرأي الرؤية من قوله:"يرونهم مثليهم رأي العين"أي رؤية العين والرأي أيضا ما يراه الإنسان في الأمر وجمعه آراء.

انتهى.

وقال في المفردات ،: وقوله:"بادىء الرأي"أي ما يبدأ من الرأي وهو الرأي الفطير ، وقرىء: بادي بغير همزة أي الذي يظهر من الرأي ولم يترو فيه.

انتهى.

وقوله:"بادىء الرأي"يحتمل أن يكون قيدا لقوله:"هم أراذلنا"أي كونهم أراذل وسفلة فينا معلوم في ظاهر الرأي والنظر أو في أول نظرة.

ويحتمل كونه قيدا لقوله:"اتبعك أي اتبعوك في ظاهر الرأي أو في أوله من غير تعمق وتفكر ولو تفكروا قليلا وقلبوا أمرك ظهرا لبطن ما اتبعوك ، وهذا الاحتمال لا يستغني عن تكرار الفعل ثانيا والتقدير: اتبعوك بادي الأمر وإلا اختل المعنى لو لم يتكرر وقيل: ما نراك اتبعك في بادي الرأي إلا الذين هم أراذلنا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت