فهرس الكتاب

الصفحة 2106 من 4314

و بالجملة معنى الآية: أنا نشاهد أن متبعيك هم الأراذل والأخساء من القوم ولو اتبعناك ساويناهم ودخلنا في زمرتهم وهذا ينافي شرافتنا ويحط قدرنا في المجتمع ، وفي الكلام إيماء إلى بطلان رسالته (عليه السلام) بدلالة الالتزام فإن من معتقدات العامة أن القول لو كان حقا نافعا لتبعه الشرفاء والعظماء وأولوا القوة والطول فلو استنكفوا عنه أو اتبعه الأخساء والضعفاء كالعبيد والمساكين والفقراء ممن لا حظ له من مال أو جاه ولا مكانة له عند العامة فلا خير فيه.

وقوله:"و ما نرى لكم علينا من فضل"المراد نفي مطلق الفضل من متاع دنيوي يختصون بالتنعم به أو شيء من الأمور الغيبية كعلم الغيب أو التأيد بقوة ملكوتية وذلك لكون النكرة - فضل - واقعة في سياق النفي فتفيد العموم.

وقد أشركوا أتباع نوح (عليه السلام) والمؤمنين به منهم في دعوته إذ قالوا:"و ما نرى لكم علينا"ولم يقولوا:"و لا نرى لك"لأنهم كانوا يحثونهم ويرغبونهم في اتباع ما اتبعوه من الطريقة.

والمعنى أن دعوتكم إيانا - وعندنا ما نتمتع به من مزايا الحياة الدنيا كالمال والبنين والعلم والقوة - إنما يستقيم ويؤثر أثره لو كان لكم شيء من الفضل تفضلون به علينا من زينة الحياة الدنيا أو علم من الغيب أو قوة من الملكوت حتى يوجب ذلك خضوعا منا لكم ولا نرى شيئا من ذلك عندكم فأي موجب يوجب علينا اتباعكم؟.

وإنما عممنا الفضل في كلامه للفضل من حيث الجهات المادية وغيره كعلم الغيب والقوة الملكوتية خلافا لأكثر المفسرين حيث فسروا الفضل بالفضل المادي كالمال والكثرة وغيرهما ، لما يستفاد من كلامهم من العموم لوقوع النكرة في سياق النفي.

مضافا إلى أن ما يحاذي قولهم هذا من جواب نوح (عليه السلام) يدل على ذلك وهو قوله:"و لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك"إلخ على ما سيأتي.

وقوله تعالى:"بل نظنكم كاذبين"إضراب في الاحتجاج كما تقدمت الإشارة إليه فمحصله أنا لا نرى معكم أمرا يوجب اتباعنا لكم بل هناك أمر يوجب عدم الاتباع وهو أنا نظنكم كاذبين.

ومعناه على ما يعطيه السياق - والله أعلم - أنه لما لم يكن عندكم ما يشاهد معه صحة دعوتكم وأنكم تلحون علينا بالسمع والطاعة وأنتم صفر الأيدي من مزايا الحياة من مال وجاه وهذه الحال تستدعي الظن بأنكم كاذبون في دعواكم تريدون بها نيل ما بأيدينا من أماني الحياة بهذه الوسيلة وبالجملة هذه أمارة توجب عادة الظن بأنها أكذوبة يتوسل بها إلى اقتناء الأموال والقبض على ثروة الناس والاستعلاء عليهم بالحكم والرئاسة ، وهذا كما حكى الله سبحانه عنهم في مثل القصة إذ قال:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم:"المؤمنون: - 24.

وبهذا يظهر وجه تعليقهم الكذب بالظن دون الجزم ، وأن المراد بالكذب الكذب المخبري دون الخبري.

قوله تعالى:"قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي"إلى آخر الآية بيان لما أجاب به نوح (عليه السلام) عن حجتهم إلى تمام أربع آيات ، والتعمية الإخفاء فمعنى عميت عليكم بالبناء للمفعول أخفيت عليكم من ناحية جهلكم وكراهتكم للحق.

وقرىء عميت بالتخفيف والبناء للفاعل أي خفيت عليكم تلك الرحمة.

لما كانت حجتهم مبنية على الحس ونفي ما وراءه وقد استنتجوا منها أولا عدم الدليل على وجوب طاعته واتباعه ثم أضربوا عنه بالترقي إلى استنتاج الدليل على عدم الوجوب بل على وجوب العدم أجابهم (عليهم السلام) بإثبات ما حاولوا نفيه من رسالته وما يتبعه ، ونفي ما حاولوا إثباته باتهامه واتهام أتباعه بالكذب غير أنه استعطفهم بخطاب يا قوم - بالإضافة إلى ضمير التكلم - مرة بعد مرة ليجلبهم إليه فيقع نصحه موقع القبول منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت