فهرس الكتاب

الصفحة 2110 من 4314

فقد أثبتوا - كما ترى - موجودا محدودا منطبق الوجود على الزمان غير أن وجوده الزماني دائمي ، وله قدرة على كل شيء ، وعلم بكل شيء ، وإرادة لا تنكسر وقضاء لا ترد ، يستقل بما عنده من الصفات والأعمال كما يستقل الواحد منا فيملك ما عنده من الحياة والعلم والقدرة وغير ذلك فحياته حياة له وليست لله ، وعلمه علمه لا علم الله ، وقدرته قدرته لا قدرة الله وهكذا ، وإنما يقال لوجودنا أو حياتنا أو علمنا أو قدرتنا أنها لله كما يقال لما عند الرعية من النعمة أنها للملك بمعنى أنها كانت عنده فأخرجها من عنده ووضعها عندنا نتصرف فيها فجميع ذلك - كما ترى - يقوم على أساس المحدودية والانعزال.

لكن البراهين اليقينية تقضي بفساد ذلك كله فإنها تحكم بسريان الفقر والحاجة إلى الموجودات الممكنة في ذواتها وآثار ذواتها وإذا كانت الحاجة إليه تعالى في مقام الذات استحال الاستقلال عنه والانعزال منه على الإطلاق إذ لو فرض استقلال لشيء منه تعالى في وجوده أو شيء من آثار وجوده - بأي وجه فرض في حدوث أو بقاء - استغنى عنه من تلك الجهة وهو محال.

فكل ممكن غير مستقل في شيء من ذاته وآثار ذاته ، والله سبحانه هو الذي يستقل في ذاته وهو الغني الذي لا يفتقر في شيء ولا يفقد شيئا من الوجود وكمال الوجود كالحياة والقدرة والعلم فلا حد له يتحدد به.

وقد تقدم بعض التوضيح لهذه المسألة في ذيل تفسير قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة:"المائدة: - 73.

وعلى ما تقدم كان ما للممكن من الوجود أو الحياة أو القدرة أو العلم متعلق الوجود به تعالى غير مستقل منه بوجه ، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير ما كانت خصيصة عدم الاستقلال محفوظة فيه فلا مانع من فرض ممكن له علم بكل شيء أو قدرة على كل شيء أو حياة دائمة ما دام غير مستقل الوجود عن الله سبحانه ولا منعزل الكون منه كما لا مانع من تحقق الممكن مع وجود موقت ذي أمد أو علم أو قدرة متعلقين ببعض الأشياء دون بعض.

نعم فرض الاستقلال يبطل الحاجة الإمكانية ولا فرق فيه بين الكثير والقليل كما عرفت ، هذا من جهة العقل.

وأما من جهة النقل فالكتاب الإلهي وإن كان ناطقا باختصاص بعض الصفات والأفعال به تعالى كالعلم بالمغيبات والإحياء والإماتة والخلق كما في قوله:"و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:"الأنعام: - 59 ، وقوله:"و أنه هو أمات وأحيا:"النجم: - 44:"و قوله الله يتوفى الأنفس حين موتها:"الزمر: - 42 ، وقوله:"الله خالق كل شيء:"الزمر: - 62 ، إلى غير ذلك من الآيات لكنها جميعا مفسرة بآيات أخر كقوله:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول:"الجن: - 27 ، وقوله:"قل يتوفاكم ملك الموت:"الم السجدة: - 11 ، وقوله عن عيسى (عليه السلام) :"و أحيا الموتى بإذن الله:"آل عمران: - 49 ، وقوله:"و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني:"المائدة: - 110 إلى غير ذلك من الآيات.

وانضمام الآيات إلى الآيات لا يدع شكا في أن المراد بالآيات النافية اختصاص هذه الأمور به تعالى بنحو الأصالة والاستقلال والمراد بالآيات المثبتة إمكان تحققها في غيره تعالى بنحو التبعية وعدم الاستقلال.

فمن أثبت شيئا من العلم المكنون أو القدرة الغيبية أعني العلم من غير طريق الفكر والقدرة من غير مجراها العادي الطبيعي لغيره تعالى من أنبيائه وأوليائه كما وقع كثيرا في الأخبار والآثار ونفى معه الأصالة والاستقلال بأن يكون العلم والقدرة مثلا له تعالى وإنما ظهر ما ظهر منه بالتوسيط ووقع ما وقع منه بإفاضته وجوده فلا حجر عليه.

ومن أثبت شيئا من ذلك على نحو الأصالة والاستقلال طبق ما يثبته الفهم العامي وإن أسنده إلى الله سبحانه وفيض رحمته لم يخل من غلو وكان مشمولا لمثل قوله:"لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق:"النساء: - 171.

قوله تعالى:"و لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين"قال في المفردات ،: زريت عليه عبته وأزريت به قصدت به وكذلك ازدريت به وأصله افتعلت قال: تزدري أعينكم أي تستقلهم تقديره تزدريهم أعينهم أي تستقلهم وتستهين بهم.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت