و هذا الفصل من كلامه (عليه السلام) إشارة إلى ما كان يعتقده الملأ الذين كفروا من قومه وبنوا عليه سنة الأشرافية وطريقة السيادة ، وهو أن أفراد الإنسان تنقسم إلى قسمين الأقوياء والضعفاء ، أما الأقوياء فهم أولوا الطول وأرباب القدرة المعتضدون بالمال والعدة ، وأما الضعفاء فهم الباقون.
والأقوياء هم السادة في المجتمع الإنساني لهم النعمة والكرامة ، ولأجلهم انعقاد المجتمع ، وغيرهم من الضعفاء مخلوقون لأجلهم مقصودون لهم أضاحي منافعهم كالرعية بالنسبة إلى كرسي الحكومة المستبدة ، والعبيدة بالنسبة إلى الموالي ، والخدم والعملة بالنسبة إلى المخدومين والنساء بالنسبة إلى الرجال ، وبالأخرة كل ضعيف بالنسبة إلى القوي المستعلي عليه.
وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في المجتمع إنسان منحط أو حيوان في صورة إنسان إنما يرد داخل المجتمع ويشاركهم في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كد يمينه لحياته من غير عكس بل هو محروم من الكرامة مطرود عن حظيرة الشرافة آيس من الرحمة والعناية.
فهذا هو الذي كانوا يرونه وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم ، وقد رد نوح (عليه السلام) ذلك إليهم بقوله:"و لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا".
ثم بين خطأهم في معتقدهم بقوله:"الله أعلم بما في نفوسهم"أي إن أعينكم إنما تزدريهم وتستحقرهم وتستهين أمرهم لما تحس ظاهر ضعفهم وهوانهم ، وليس هو الملاك في إحراز الخير ونيل الكرامة بل الملاك في ذلك وخاصة الكرامات والمثوبات الإلهية أمر النفس وتحليها بحلي الفضيلة والمنقبة المعنوية ، ولا طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا القلوب إلا لله سبحانه فليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير والسعادة.
ثم بين بقوله:"إني إذا لمن الظالمين"السبب في تحاشيه عن هذا القول ومعناه أنه قول بغير علم ، وتحريم الخير على من يمكن أن يستحقه جزافا من غير دليل ظلم لا ينبغي أن يرومه الإنسان فيدخل بذلك في زمرة الظالمين.
وهذا المعنى هو الذي يشير تعالى إليه فيما يحكيه من كلام أهل الأعراف يوم القيامة خطابا لهؤلاء الطاغين إذ يقول:"و نادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أ هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة:"الأعراف: - 49.
وفي الكلام أعني قول نوح (عليه السلام) :"و لا أقول للذين تزدري أعينكم"إلخ ، تعريض لهم أنهم كما كانوا يحرمون على ضعفاء المجتمع المزايا الحيوية الاجتماعية كذلك كانوا يحرمون عليهم الكرامة الدينية ويقولون: إنهم لا يسعدون بدين وإنما يسعد به أشراف المجتمع وأقوياؤهم ، وفيه أيضا تعريض بأنهم ظالمون.
وإنما عقب نوح (عليه السلام) قوله:"و لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك"وهو ينفي فيه جهات الامتياز التي كانوا يتوقعونها في الرسول عن نفسه ، بقوله:"و لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا"إلخ ، مع أنه راجع إلى الضعفاء الذين آمنوا به من قومه لأن الملأ ألحقوهم به في قولهم:"و ما نرى لكم علينا من فضل".
وتوضيحه أن معنى قولهم هذا أن اتباعنا لك ولمن آمن بك من هؤلاء الأراذل إنما يستقيم لفضل يتم لكم علينا ولا نرى لكم علينا من فضل أما أنت فليس معك ما يختص به الرسول من قدرة ملكوتية أو علم بالغيب أو أن تكون ملكا منزها من ألواث المادة والطبيعة ، وأما المؤمنون بك فإنما هم أراذلنا الآيسون من كرامة الإنسانية المحرومون من الرحمة والعناية.
فأجاب عنهم نوح بما معناه: أما أنا فلا أدعي شيئا مما تتوقعون من رسالتي فليست للرسول إلا الرسالة وأما هؤلاء الضعفاء الذين لهم هوان عندكم فمن الجائز أن يعلم الله من نفوسهم خيرا فيؤتيهم خيرا وفضلا فهو أعلم بأنفسهم ، وملاك الكرامة الدينية والرحمة الإلهية زكاء النفس وسلامة القلب دون الظاهر الذي تزدريه أعينكم فلست أقول: لن يؤتيهم الله خيرا ، فإنه ظلم يدخلني في زمرة الظالمين.