قوله تعالى:"قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين"كلام ألقوه إلى نوح (عليه السلام) بعد ما عجزوا عن دحض حجته وإبطال ما دعا إليه من الحق ، وهو مسوق سوق التعجيز والمراد بقولهم:"ما تعدنا"ما أنذرهم به في أول دعوته من عذاب يوم أليم.
وقد أورد الله سبحانه قولهم هذا فصلا من غير تفريع لأنهم إنما قالوه بعد ما لبث فيهم أمدا بعيدا يدعوهم إلى التوحيد ويخاصمهم ويحاجهم بفنون الخصام والحجاج حتى قطع جميع معاذيرهم وأنار الحق لهم كما يدل عليه قوله تعالى فيما يحكي عنه (عليه السلام) في دعائه:"قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا - إلى أن قال - ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا:"نوح: - 9 وفي سورة العنكبوت:"فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما:"العنكبوت: - 14.
فهذا الذي أورده الله من حجاجه قومه وجوابهم في شكل محاورة واحدة إنما وقع في مآت من السنين ، وهو كثير النظير في القرآن الكريم ولا بدع فيه فإن الذي يقتص ذلك هو الله سبحانه المحيط بالدهر وبكل ما فيه والذي يسمعها بالوحي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أوتي من سعة النظر ما يجتمع عنده أشتات الأمم وأطراف الزمان.
والمعنى - والله أعلم - يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا حتى سئمنا ومللنا وما نحن لك بمؤمنين فأتنا بما تعدنا من العذاب ، وهم لا يعترفون بالعجز عن خصامه وجداله بل يؤيسونه من أنفسهم في الحجاج ويطلبون منه أن يشتغل بما يشتغل الداعي الآيس من السمع والطاعة وهو الشر الذي يهددهم به ويذكره وراء نصحه.
قوله تعالى:"قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين"لما كان قولهم:"فأتنا بما تعدنا"إلخ ، طلبا منه أن يأتيهم بالعذاب وليس ذلك إليه فإنما هو رسول ، أجاب عن اقتراحهم هذا أيضا - في سياق قصر القلب - أن الإتيان بالعذاب ليس إلي بل إنما هو إلى الله فهو الذي يملك أمركم فيأتيكم بالعذاب الذي وعدتكموه بأمره فهو ربكم وإليه مرجع أمركم كله ، ولا يرجع إلي من أمر التدبير شيء حتى أن وعدي إياكم بالعذاب واقتراحكم علي بطلبه لا يؤثر في ساحة كبريائه شيئا فإن يشأ يأتكم به وأن لم يشأ فلا.
ومن هنا يظهر أن قوله (عليه السلام) :"إن شاء"من ألطف القيود في هذا المقام أفيد به حق التنزيه وهو أن الله سبحانه لا يحكم فيه شيء ولا يقهره قاهر يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره نظير ما سيأتي في آخر السورة من الاستثناء في قوله:"خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ:"هود: - 108.
وقوله:"و ما أنتم بمعجزين"تنزيه آخر لله سبحانه وهو مع ذلك جواب عن الأمر التعجيزي الذي ألقوه إليه (عليه السلام) فإن ظاهره أنهم لا يعبئون بما هددهم به من العذاب كأنهم معجزون لا يقدر عليهم.
قوله تعالى:"و لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم"إلخ ، قال في المفردات ،: النصح تجري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه - قال - وهو من قولهم نصحت له الود أي أخلصته وناصح العسل خالصه أو من قولهم: نصحت الجلد خطته والناصح الخياط والنصاح الخيط.
وقال أيضا: الغي جهل من اعتقاد فاسد ، وذلك أن الجهل قد يكون من الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا ولا فاسدا ، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد ، وهذا النحو الثاني يقال له غي قال تعالى: ما ضل صاحبكم وما غوى ، وقال: وإخوانهم يمدونهم في الغي.
انتهى.
وعلى هذا فالفرق بين الإغواء والإضلال أن الإضلال إخراج من الطريق مع بقاء المقصد في ذكر الضال ، والإغواء إخراجه منه مع زواله عن ذكره لاشتغاله بغيره جهلا.
والإرادة والمشية كالمترادفتين ، وهي من الله سبحانه تسبيب الأسباب المؤدية لوجود شيء بالضرورة فكون الشيء مرادا له تعالى أنه تمم أسباب وجوده وأكملها فهو كائن لا محالة ، وأما أصل السببية الجارية فهي مرادة بنفسها ولذا قيل: خلق الله الأشياء بالمشية والمشية بنفسها.