و بالجملة قوله:"و لا ينفعكم نصحي"إلخ ، كأحد شقي الترديد والشق الآخر قوله:"و ما أنتم بمعجزين"كأنه (عليه السلام) يقول: أمركم إلى الله إن شاء أن يعذبكم أتاكم بالعذاب ولا يدفع عذابه ولا يقهر مشيته شيء فلا أنتم معجزوه ، ولا نصحي ينفعكم إن أردت أن أنصح لكم بعد ما أراد الله أن يغويكم لتكفروا به فيحق عليكم كلمة العذاب ، وقيد نصحه بالشرط لأنهم لم يكونوا يسلمون له أنه ينصحهم.
والإغواء كالإضلال وإن لم يجز نسبته إليه تعالى إذا كان إغواء ابتدائيا لكنه جائز إذا كان بعنوان المجازاة كان يعصي الإنسان ويستوجب به الغواية فيمنعه الله أسباب التوفيق ويخليه ونفسه فيغوي ويضل عن سبيل الحق قال تعالى:"يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين:"البقرة: - 26.
وفي الكلام إشارة إلى أن نزول عذاب الاستئصال عليهم مسبوق بالإغواء الإلهي كما يلوح إليه قوله تعالى:"و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا:"إسراء: - 16 ، وقال:"و قيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول:"حم السجدة: - 25.
وقوله:"هو ربكم وإليه ترجعون"تعليل لقوله:"و لا ينفعكم نصحي"إلخ ، أو لقوله:"إنما يأتيكم به الله إن شاء - إلى قوله - يريد أن يغويكم"جميعا ومحصله أن أمر تدبير العباد إلى الرب الذي إليه يرجع الأمور ، والله سبحانه هو ربكم وإليه ترجعون فليس لي أن آتيكم بعذاب موعود ، وليس لكم أن تعجزوه إن شاء أن يأتيكم بالعذاب فأتاكم به لاستئصالكم وليس لنصحي أن ينفعكم إن أراد هو أن يغويكم ليعذبكم.
وقد ذكروا في قوله:"إن كان الله يريد أن يغويكم"وجوها من التأويل: منها: أن المعنى يعاقبكم على كفركم ، وقد سمى الله تعالى العذاب غيا في قوله:"فسوف يلقون غيا:"مريم: - 59.
ومنها: أن المراد إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم ومن عادة العرب أن يسمي العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه ، ومن هذا الباب قوله:"الله يستهزىء بهم"أي يعاقبهم على استهزائهم وقوله:"و مكروا ومكر الله:"آل عمران: - 54 أي عذبهم على مكرهم إلى غير ذلك.
ومنها: أن الإغواء بمعنى الإهلاك فالمعنى يريد أن يهلككم فهو من قولهم: غوي الفصيل إذا فسد من كثرة شرب اللبن.
ومنها: أن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى يضل عباده عن الدين ، وأن ما هم عليه بإرادة الله ، ولو لا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه فقال لهم نوح على وجه التعجب لقولهم والإنكار لذلك أن نصحي لا ينفعكم إن كان القول كما تقولون.
وأنت بالتأمل فيما قدمناه تعرف أن الكلام في غنى من هذه التأويلات.
قوله تعالى:"أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون"أصل الجرم - على ما ذكره الراغب في مفرداته - قطع الثمرة من الشجرة وأجرم أي صار ذا جرم ، واستعير لكل اكتساب مكروه فالجرم بضم الجيم وفتحها بمعنى الاكتساب المكروه وهو المعصية.
والآية ، واقعة موقع الاعتراض ، والنكتة فيه أن دعوة نوح واحتجاجاته على وثنية قومه وخاصة ما أورده الله تعالى في هذه السورة من احتجاجه أشبه شيء بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واحتجاجه على وثنية أمته.
وإن شئت زيادة تصديق في ذلك فارجع إلى سورة الأنعام - وهي في الحقيقة سورة الاحتجاج - وقابل ما حكاه الله تعالى عن نوح في هذه السورة ما أمر الله به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك السورة بقوله:"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك - إلى أن قال - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى أن قال - قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به".
ولك أن تطبق سائر ما ذكر من حججه ع في سورة نوح والأعراف على ما ذكر من الحجج في سورة الأنعام وفي هذه السورة فتشاهد صدق ما ادعيناه.