و قوله:"قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون"في موضع الجواب لسؤال مقدر كان قائلا قال: فما ذا قال نوح (عليه السلام) ؟ فقيل:"قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم"ولذا فصل الكلام من غير عطف.
ولم يقل (عليه السلام) : إن تسخروا مني فإني أسخر منكم ليدفع به عن نفسه وعن عصابة المؤمنين به وكأنه كان يستمد من أهله واتباعه في ذلك وكانوا يشاركونه في عمل السفينة وكانت السخرية تتناولهم جميعا فظاهر الكلام أن الملأ كانوا يواجهون نوحا ومن معه في عمل السفينة بسخرية نوح ورميه (عليه السلام) بالخبل والجنون فيشمل هزؤهم نوحا ومن معه وإن كانوا لم يذكروا في هزئهم إلا نوحا فقط.
على أن الطبع والعادة يقضيان أن يكونوا يسخرون من أتباعه أيضا كما كانوا يسخرون منه فهم أهل مجتمع واحد تربط المعاشرة بعضهم ببعض وإن كانت سخريتهم من أتباعه سخرية منه في الحقيقة لأنه هو الأصل الذي تقوم به الدعوة ، ولذا قيل:"سخروا منه"ولم يقل: سخروا منه ومن المؤمنين.
والسخرية وإن كانت قبيحة ومن الجهل إذا كانت ابتدائية لكنها جائزة إذا كانت مجازاة وبعنوان المقابلة وخاصة إذا كانت تترتب عليها فائدة عقلائية كإنفاذ العزيمة وإتمام الحجة قال تعالى:"فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم:"التوبة: - 79 ، ويدل على اعتبار المجازاة والمقابلة بالمثل في الآية قوله:"كما تسخرون".
قوله تعالى:"فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم"السياق يقضي أن يكون قوله:"فسوف تعلمون"تفريعا على الجملة الشرطية السابقة"أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم"وتكون الجملة المتفرعة هو متن السخرية التي أتى بها نوح (عليه السلام) ويكون قوله:"من يأتيه عذاب يخزيه"إلخ ، متعلقا بتعلمون على أنه معلوم العلم.
والمعنى: أن تسخروا منا فإنا نسخر منكم فنقول لكم: سوف تعلمون من يأتيه العذاب؟ نحن أو أنتم؟ وهذه سخرية بقول حق.
وقوله:"من يأتيه عذاب يخزيه"المراد به عذاب الاستئصال في الدنيا وهو الغرق الذي أخزاهم وأذلهم ، والمراد بقوله:"و يحل عليه عذاب مقيم"أي ينزل عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق ، هو عذاب النار في الآخرة ، والدليل على ما ذكرنا من كون العذاب الأول هو الذي في الدنيا والثاني هو عذاب الآخرة هو المقابلة وتكرر العذاب - منكرا - في اللفظ وتوصيف الأول بالإخزاء والثاني بالإقامة.
وربما أخذ بعضهم قوله:"فسوف تعلمون"تاما من غير ذكر متعلق العلم وقوله:"من يأتيه عذاب يخزيه"إلخ ، ابتداء كلام من نوح وهو بعيد عن السياق.
قوله تعالى:"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور"إلى آخر الآية ، يقال: فار القدر يفور فورا وفورانا إذا غلا واشتد غليانه ، وفارت النار إذا اشتعلت وارتفع لهيبها ، والتنور تنور الخبز ، وهو مما اتفقت فيه اللغتان: العربية والفارسية أو الكلمة فارسية في الأصل.
وفوران التنور نبع الماء وارتفاعه منه ، وقد ورد في الروايات: أن أول ما ابتداء الطوفان يومئذ كان ذلك بتفجر الماء من تنور ، وعلى هذا فاللام في التنور للعهد يشار بها إلى تنور معهود في الخطاب ، ويحتمل اللفظ أن يكون كناية عن اشتداد غضب الله تعالى فيكون من قبيل قولهم:"حمي الوطيس"إذا اشتد الحرب.
فقوله:"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور": أي كان الأمر على ذلك حتى إذا جاء أمرنا أي تحقق الأمر الربوبي وتعلق بهم وفار الماء من التنور أو اشتد غضب الرب تعالى قلنا له كذا وكذا.
وفي التنور أقوال أخر بعيدة من الفهم كقول من قال إن المراد به طلوع الفجر وكان عند ذلك أول ظهور الطوفان ، وقول بعضهم: إن المراد به أعلى الأرض وأشرفها أي انفجر الماء من الأمكنة المرتفعة ونجود الأرض ، وقول آخرين: إن التنور وجه الأرض هذا.
وقوله:"قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين"أي أمرنا نوحا (عليه السلام) أن يحمل في السفينة من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين وهي الذكر والأنثى.