و قوله:"و أهلك إلا من سبق عليه القول"أي واحمل فيها أهلك وهم المختصون به من زوج وولد وأزواج الأولاد وأولادهم إلا من سبق عليه قولنا وتقدم عليه عهدنا أنه هالك ، وكان هذا المستثنى زوجته الخائنة التي يذكرها الله تعالى في قوله:"ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما:"التحريم: - 10.
وابن نوح الذي يذكره الله تعالى في الآيات التالية وكان نوح (عليه السلام) يرى أن المستثنى هو امرأته فحسب حتى بين الله سبحانه أن ابنه ليس من أهله وأنه عمل غير صالح فعند ذلك علم أنه من الذين ظلموا.
وقوله:"و من آمن وما آمن معه إلا قليل"أي واحمل فيها من آمن بك من قومك غير أهلك لأن من آمن به من أهله أمر بحمله بقوله:"و أهلك"ولم يؤمن به من القوم إلا قليل.
في قوله:"و ما آمن معه"دون أن يقال: وما آمن به تلويح إلى أن المعنى: وما آمن بالله مع نوح إلا قليل ، وذلك أنسب بالمقام وهو مقام ذكر من أنجاه الله من عذاب الغرق ، والملاك فيه هو الإيمان بالله والخضوع لربوبيته ، وكذا في قوله:"إلا قليل"دون أن يقال إلا قليل: منهم بلوغا في استقلالهم إن من آمن كان قليلا في نفسه لا بالقياس إلى القوم فقد كانوا في نهاية القلة.
قوله تعالى:"و قال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم"قرىء مجراها بفتح الميم وهو مجرى السفينة وسيرها ، ومجراها بضم الميم وهو إجراء السفينة وسياقها ، ومرساها بضم الميم مصدر ميمي مرادف الإرساء ، والإرساء الإثبات والإيقاف ، قال تعالى:"و الجبال أرساها:"النازعات: - 32.
وقوله:"و قال اركبوا فيها"معطوف على قوله في الآية السابقة:"جاء أمرنا"أي حتى إذا قال نوح إلخ ، وخطابه لأهله وسائر المؤمنين أو لجميع من في السفينة.
وقوله:"بسم الله مجراها ومرساها"تسمية منه (عليه السلام) يجلب به الخير والبركة لجري السفينة وإرسائها فإن في تعليق فعل من الأفعال أو أمر من الأمور على اسم الله تعالى وربطه به صيانة له من الهلاك والفساد واتقاء من الضلال والخسران لما أنه تعالى رفيع الدرجات منيع الجانب لا سبيل للدثور والفناء والعي والعناء إليه فما تعلق به مصون لا محالة من تطرق عارض السوء.
فهو (عليه السلام) يعلق جري السفينة وإرساءها باسم الله وهذان هما السببان الظاهران في نجاة السفينة ومن فيها من الغرق ، وإنما ينجح هذان السببان لو شملت العناية الإلهية من ركبها ، وإنما تشمل العناية بشمول المغفرة الإلهية لخطايا ركابها والرحمة الإلهية لهم لينجوا من الغرق ويعيشوا على رسلهم في الأرض ، ولذلك علل (عليه السلام) تسميته بقوله:"إن ربي لغفور رحيم"أي إنما أذكر اسم الله على مجرى سفينتي ومرساها لأنه ربي الغفور الرحيم ، له أن يحفظ مجراها ومرساها من الاختلال والتخبط حتى ننجو بذلك من الغرق بمغفرته ورحمته.
ونوح (عليه السلام) أول إنسان حكى الله سبحانه عنه التسمية باسمه الكريم فيما أوحاه من كتابه فهو (عليه السلام) أول فاتح فتح هذا الباب كما أنه أول من أقام الحجة على التوحيد ، وأول من جاء بكتاب وشريعة وأول من انتهض لتعديل الطبقات ورفع التناقض عن المجتمع الإنساني.
وما قدمناه من معنى قوله:"بسم الله مجراها ومرساها"مبني على ما هو الظاهر من كون الجملة تسمية من نوح (عليه السلام) والمجرى والمرسى مصدرين ميميين وربما احتمل كونه تسمية ممن مع نوح بأمره أو كون مجراها ومرساها اسمين للزمان أو المكان فيختلف المعنى.
قال في الكشاف ، في الآية: يجوز أن يكون كلاما واحدا وكلامين: فالكلام الواحد أن يتصل باسم الله باركبوا حالا من الواو بمعنى اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها إما لأن المجرى والمرسى للوقت وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: خفوق النجم ومقدم الحاج ، ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء ، وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل أو بما فيه من إرادة القول.