فهرس الكتاب

الصفحة 2119 من 4314

و الكلامان أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة من مبتدإ وخبر مقتضبة 1 أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت ، وإذا أن ترسو قال: بسم الله فرست ، ويجوز أن يقحم 1.

الاسم كقوله: ثم اسم السلام عليكما ويراد بالله إجراؤها وإرساءها.

قال: وقرىء مجراها ومرساها بفتح الميم من جرى ورسى إما مصدرين أو وقتين أو مكانين ، وقرأ مجاهد: مجريها ومرسيها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله.

قوله تعالى:"و هي تجري بهم في موج كالجبال"الضمير للسفينة ، والموج اسم جنس كتمر أو جمع موجة - على ما قيل - وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء وفي الآية إشعار بأن السفينة كانت تسير على الماء ولم تكن تسبح جوف الماء كالحيتان كما قيل.

قوله تعالى:"و نادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"المعزل اسم مكان من العزل وقد عزل ابنه نفسه عن أبيه والمؤمنين في مكان لا يقرب منهم ، ولذلك قال:"و نادى نوح ابنه"ولم يقل: وقال نوح لابنه.

والمعنى: ونادى نوح ابنه وكان ابنه في مكان منعزل بعيد منهم وقال في ندائه: يا بني - بالتصغير والإضافة دلالة على الإشفاق والرحمة - اركب معنا السفينة ولا تكن مع الكافرين فتشاركهم في البلاء كما شاركتهم في الصحبة وعدم ركوب السفينة ، ولم يقل (عليه السلام) : ولا تكن من الكافرين لأنه لم يكن يعلم نفاقه وأنه غير مؤمن إلا باللفظ ، ولذلك دعاه إلى الركوب.

قوله تعالى:"قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله"إلخ ، قال الراغب: المأوى مصدر أوى يأوي أويا ومأوى تقول: أوى إلى كذا: انضم إليه يأوي أويا ومأوى وآواه غيره يؤويه إيواء ، انتهى.

والمعنى: قال ابن نوح مجيبا لأبيه رادا لأمره: سأنضم إلى جبل يعصمني ويقيني من الماء فلا أغرق ، قال نوح: لا عاصم اليوم - وهو يوم اشتد غضب الله وقضى بالغرق لأهل الأرض إلا من التجأ منهم إلى الله - من الله لا جبل ولا غيره ، وحال بين نوح وابنه الموج فكان ابنه من المغرقين ولو لم يحل الموج بينهما ولم ينقطع الكلام بذلك لعرف كفره وتبرأ منه.

وفي الكلام إشارة إلى أن أرضهم كانت أرضا جبلية لا مئونة زائدة في صعود الإنسان إلى بعض جبال كانت هناك.

قوله تعالى:"و قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين"البلع إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف ، والإقلاع الإمساك وترك الشيء من أصله ، والغيض جذب الأرض المائع الرطب من ظاهرها إلى باطنها وهو كالنشف يقال: غاضت الأرض الماء أي نقصته.

والجودي مطلق الجبل والأرض الصلبة ، وقيل: هو جبل بأرض موصل في سلسلة جبال تنتهي إلى أرمينية وهي المسماة"آرارات".

وقوله:"و قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي"نداء صادر من ساحة العظمة والكبرياء لم يصرح باسم قائله وهو الله عز اسمه للتعظيم ، والأمر تكويني تحمله كلمة"كن"الصادرة من ذي العرش تعالى يترتب عليه من غير فصل أن تبتلع الأرض ما على وجهها من الماء المتفجر من عيونها ، وأن تكف السماء عن أمطارها.

وفيه دلالة على أن الأرض والسماء كانتا مشتركتين في إطغاء الماء بأمر الله كما يبينه قوله تعالى:"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر:"القمر: - 12.

وقوله:"و غيض الماء"أي نقص الماء ونشف عن ظاهر الأرض وانكشف البسيط ، وذلك إنما يكون بالطبع باجتماع ما يمكن اجتماعه منه في الغدران وتشكيل البحار والبحيرات ، وانتشاف ما على سائر البسيطة.

وقوله:"و قضي الأمر"أي أنجز ما وعد لنوح (عليه السلام) من عذاب القوم وأنفذ الأمر الإلهي بغرقهم وتطهر الأرض منهم أي كان ما قيل له كن كما قيل فقضاء الأمر كما يقال على جعل الحكم وإصداره كذلك يقال على إمضائه وإنفاذه وتحقيقه في الخارج ، غير أن القضاء الإلهي والحكم الربوبي الذي هو عين الوجود الخارجي جعله وإنفاذه واحد ، وإنما الاختلاف بحسب التعبير.

وقوله:"و استوت على الجودي"أي استقرت السفينة على الجبل أو على جبل الجودي المعهود ، وهو إخبار عن اختتام ما كان يلقاه نوح ومن معه من أمر الطوفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت