فهرس الكتاب

الصفحة 2120 من 4314

و قوله:"و قيل بعدا للقوم الظالمين"أي قال الله عز اسمه: بعدا للقوم الظالمين أي ليبعدوا بعدا فأبعدهم بذلك من رحمته وطردهم عن دار كرامته ، والكلام في ترك ذكر فاعل"قيل"هاهنا كالكلام فيه في"قيل"السابق.

والأمر أيضا في قوله:"بعدا للقوم الظالمين"كالأمرين السابقين:"يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي"تكويني فهو عين ما أنفذه الله فيهم من الغرق المؤدي إلى خزيهم في الدنيا وخسرانهم في الآخرة ، وإن كان من وجه آخر من جنس الأمر التشريعي لتفرعه على مخالفتهم الأمر الإلهي بالإيمان والعمل ، وكونه جزاء لهم على استكبارهم واستعلائهم على الله عز وجل.

وللصفح عن ذكر الفواعل في قوله:"و قيل يا أرض"إلخ ، وقوله:"و قضي الأمر"وقوله:"و قيل بعدا"إلخ ، في الآية وجه آخر مشترك وهو أن هذه الأمور العظيمة الهائلة المدهشة لن يقدر عليها إلا الواحد القاهر الذي لا شريك له في أمره فلا يذهب الوهم إلى غيره لو لم يذكر على فعله فما هو إلا فعله ذكر أم لم يذكر.

ولمثل هذه النكتة حذف فاعل"غيض الماء"وهو الأرض ، وفاعل"استوت على الجودي"وهو السفينة ، ولم يعين القوم الظالمون بأنهم قوم نوح ، ولا الناجون بأنهم نوح (عليه السلام) ومن معه في السفينة فإن الآية بلغت في بلاغتها العجيبة من حيث سياق القصة مبلغا ليس فيه إلا سماء تنزل أمطارها ، وأرض انفجرت بعيونها وانغمرت بالماء وسفينة تجري في أمواجه ، وأمر مقضي ، وقوم ظالمون هم قوم نوح وأمر إلهي بوعد القوم بالهلاك فلو غيض الماء فإنما تغيضه الأرض ، ولو استقر شيء واستوى فإنما هي السفينة تستقر على الأرض كما أنه لو قيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وقيل: بعدا للقوم الظالمين فإنما القائل هو الله عز اسمه والقوم الظالمون هم المقضي عليهم بالعذاب ، ولو قيل: قضي الأمر فإنما القاضي هو الله سبحانه ، والأمر هو ما وعده نوحا ونهاه أن يراجعه في ذلك وهو أنهم مغرقون ، ولو قيل للسماء: أقلعي بعد ما قيل للأرض: ابلعي ماءك فإنما يراد إقلاعها وإمساكها ماءها.

ففي الآية الكريمة اجتماع عجيب من أسباب الإيجاز وتوافق لطيف فيما بينها كما أن الآية واقفة على موقف عجيب من بلاغة القرآن المعجزة يبهر العقول ويدهش الألباب وإن كانت الآيات القرآنية كلها معجزة في بلاغتها.

وقد اهتم بأمرها رجال البلاغة وعلماء البيان فغاصوا لجي بحرها وأخرجوا ما استطاعوا نيله من لئاليها ، وما هو - وقد اعترفوا بذلك - إلا كغرفة من بحر أو حصاة من بر.

قوله تعالى:"و نادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين"دعاء نوح (عليه السلام) لابنه الذي تخلف عن ركوب السفينة وقد كان آخر عهده به يوم ركب السفينة فوجده في معزل فناداه وأمره بركوب السفينة فلم يأتمر ثم حال بينهما الموج فوجد نوح (عليه السلام) وهو يرى أنه مؤمن بالله من أهله وقد وعده الله بإنجاء أهله.

ولما به من الوجد والحزن رفع صوته بالدعاء كما يدل عليه قوله تعالى:"و نادى نوح ربه"ولم يقل: سأل أو قال أو دعا ، ورفع الصوت بالاستغاثة من المضطر الذي اشتد به الضر وهاج به الوجد أمر طبعي.

والدعاء أعني نداء نوح (عليه السلام) ربه في ابنه وإن ذكر في القصة بعد ذكر إنجاز غرق القوم وظاهره كون النداء بعد تمام الأمر واستواء الفلك لكن مقتضى ظاهر الحال أن يكون النداء بعد حيلولة الموج بينهما وعلى هذا فذكره بعد ذكر انقضاء الطوفان إنما هو لمكان العناية ببيان جميع ما في القصة من الهيئة الهائلة في محل واحد لتكميل تمثيل الواقعة ثم الأخذ ببيان بعض جهاته الباقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت