فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 4314

و منها: أنه لم يكن ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه فقال نوح (عليه السلام) : إنه ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله أن الأمر على خلاف ذلك ، ونبهه على خيانة امرأته.

وينسب إلى الحسن ومجاهد.

وفيه: أنه على ما فيه من نسبة العار والشين إلى ساحة الأنبياء (عليهم السلام) ، والذوق المكتسب من كلامه تعالى يدفع ذلك عن ساحتهم وينزه جانبهم عن أمثال هذه الأباطيل ، أنه ليس مما يدل عليه اللفظ بصراحة ولا ظهور فليس في القصة إلا قوله:"إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح"وليس بظاهر فيما تجرءوا عليه وقوله في امرأة نوح:"امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما:"التحريم: - 10 وليس إلا ظاهرا في أنهما كانتا كافرتين تواليان أعداء زوجيهما وتسران إليهم بأسرارهما وتستنجدانهم عليهما.

ومنها: أنه كان ابن امرأته (عليه السلام) وكان ربيبه لا ابنه من صلبه.

وفيه أنه مما لا دليل عليه من جهة اللفظ.

على أنه لا يلائم قوله في تعليل أنه ليس من أهله:"إنه عمل غير صالح"ولو كان كذلك كان من حق الكلام أن يقال: إنه ابن المرأة.

على أن من المستبعد جدا أن لا يكون نوح (عليه السلام) عالما بأنه ربيبه وليس بابنه حتى يخاطب ربه بقوله:"إن ابني من أهلي"أو يكون عالما بذلك ويتكلم بالمجاز ويحتج على ربه العليم الخبير بذلك فينبه أنه ليس ابنه وإنما هو ربيب.

وقوله:"إنه عمل غير صالح"ظاهر السياق أن الضمير لابن نوح (عليه السلام) فيكون هو العمل غير الصالح ، وعده عملا غير صالح نوع من المبالغة نحو زيد عدل أي ذو عدل ، وقولها: فإنما هي إقبال وإدبار ، أي ذات إقبال وإدبار.

فالمعنى: إن ابنك هذا ذو عمل غير صالح فليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم.

ويؤيد هذا المعنى قراءة من قرأ:"إنه عمل غير صالح"بالفعل الماضي أي عمل عملا غير صالح.

وذكر بعضهم: أن الضمير راجع إلى سؤال نوح (عليه السلام) المفهوم من قوله:"رب إن ابني من أهلي"أي إن سؤالك نجاة ابنك عمل غير صالح لأنه سؤال لما ليس لك به علم ولا ينبغي لنبي أن يخاطب ربه بمثل ذلك وهو من أسخف التفسير فإنه معنى لا يلائم شيئا من الجملتين المكتنفتين به لا قوله:"إنه ليس من أهلك"ولا قوله:"فلا تسئلن ما ليس لك به علم"وهو ظاهر ، ولو كان كذلك كان من حق الكلام أن يتقدم على قوله:"إنه ليس من أهلك"ويتصل بقول نوح (عليه السلام) .

على أنك عرفت أن قول نوح (عليه السلام) :"رب إن ابني من أهلي"إلخ ، لا يتضمن سؤالا وإنما كان يسوقه - لو جرى في كلامه - إلى السؤال لكن العناية الإلهية حالت بينه وبين السؤال.

وقوله:"فلا تسئلن ما ليس لك به علم"كان قول نوح (عليه السلام) :"رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق"في مظنة أن يسوقه إلى سؤال نجاة ابنه وهو لا يعلم أنه ليس من أهله فأخذته العناية الإلهية ، وحال التسديد الغيبي بينه وبين السؤال فأدركه النهي بقوله:"لا تسئلن ما ليس لك به علم"بتفريع النهي على ما تقدم أي فإذ ليس من أهلك لكونه عملا غير صالح وأنت لا سبيل لك إلى العلم بذلك فإياك أن تبادر إلى سؤال نجاته لأنه سؤال ما ليس لك به علم.

والنهي عن السؤال بغير علم لا يستلزم تحقق سؤال ذلك منه (عليه السلام) لا مستقلا ولا في ضمن قوله:"رب إن ابني من أهلي"لأن النهي عن الشيء لا يستلزم الارتكاب قبلا ، وقد قال تعالى:"لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم:"الحجر: - 88 فنهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حب الدنيا والافتتان بزينتها وحاشاه عن ذلك.

وإنما يفتقر النهي في صحة تعلقه بفعل ما أن يكون فعلا اختياريا يمكن أن يبتلي به المكلف ، وما نهي عنه الأنبياء (عليهم السلام) على هذه الصفة وإن كانوا ذوي عصمة إلهية وتسديد غيبي ، فإن من العصمة والتسديد أن يراقبهم الله سبحانه في أعمالهم وكلما اقتربوا مما من شأنه أن يزل فيه الإنسان نبههم على وجه الصواب ويدعوهم إلى السداد والتزام طريق العبودية ، قال تعالى:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا:"إسراء: - 75 فأنبأ تعالى أنه هو الذي ثبته ولم يدعه يقترب من الركون إليهم فضلا عن نفس الركون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت