فهرس الكتاب

الصفحة 2123 من 4314

و قال تعالى ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما:"النساء: - 113."

ومن الدليل على أن النهي -"فلا تسئلن"إلخ - نهي عما لم يقع بعد قول نوح (عليه السلام) بعد استماع هذا النهي:"رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم"ولو كان سأل شيئا لقيل: أعوذ بك من سؤالي ذلك ليفيد المصدر المضاف إلى المعمول التحقق والارتكاب.

ومن الدليل أيضا على أنه (عليه السلام) لم يسأل ذلك تعقيب قوله:"فلا تسئلن ما ليس لك به علم"بقوله:"إني أعظك أن تكون من الجاهلين"فإن معناه: أني أنصح لك في القول أن لا تكون بسؤالك ذلك من الجاهلين ، ولو كان نوح سأل ذلك لكان من الجاهلين لأنه سأل ما ليس له به علم.

فإن قلت: إنه تعالى قال:"أن تكون من الجاهلين"أي ممن استقرت فيه صفة الجهل ، واستقرارها إنما يكون بالتكرار لا بالمرة والدفعة ، وبذلك يعلم أنه سأل ما سأل وتحقق منه الجهل مرة وإنما وعظه الله تعالى بما وعظ لئلا يعود إلى مثله فيتكرر منه ذلك فيدخل في زمرة الجاهلين.

قلت: زنة الفاعل كجاهل لا تدل على الاستقرار والتكرر وإنما تفيده الصفة المشبهة كجهول على ما ذكروه ، ويشهد لذلك قوله تعالى في قصة البقرة:"قالوا أ تتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين:"البقرة: - 67 ، وقوله في قصة يوسف:"و إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين:"يوسف: - 33 وقوله خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و لو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين:"الأنعام: - 35.

وأيضا لو كان المراد من النهي عن السؤال أن لا يتكرر منه ذلك بعد ما وقع مرة لكان الأنسب أن يصرح بالنهي عن العود إلى مثله دون النهي عن أصله كما وقع في نظير المورد من قوله تعالى:"إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم - إلى أن قال - يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا:"النور: - 17.

قوله تعالى:"قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين"لما تبين لنوح (عليه السلام) أنه لو ساقه طبع الخطاب الذي خاطب به ربه إلى السؤال كان سائلا ما ليس له به علم وكان من الجاهلين وإن عناية الله حالت بينه وبين الهلكة ، شكر ربه فاستعاذ بمغفرته ورحمته عن ذلك السؤال المخسر فقال:"رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم".

والكلام في الاستعاذة مما لم يقع بعد من الأمور المهلكة والمعاصي الموبقة كالنهي عما لم يقع من الذنوب والآثام وقد تقدم الكلام فيه وقد أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستعاذة من الشيطان وهو معصوم لا سبيل للشيطان إليه ، قال تعالى:"قل أعوذ برب الناس - إلى أن قال - من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس:"الناس: - 5 وقال:"و أعوذ بك رب أن يحضرون:"المؤمنون: - 98 والوحي مصون عن مس الشياطين كما قال تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم:"الجن: - 28.

وقوله:"و إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين كلام صورته صورة التوبة وحقيقته الشكر على ما أنعم الله عليه من التعليم والتأديب."

أما صورة توبته فإن في ذلك رجوعا إلى ربه تعالى بالاستعاذة ولازمها طلب مغفرة الله ورحمته أي ستره على الإنسان ما فيه زلته وهلاكته وشمول عنايته لحاله وقد تقدم في أواخر الجزء السادس من الكتاب بيان أن الذنب أعم من مخالفة الأمر التشريعي بل كل وبال وأثر سيىء الإنسان بوجه ، وأن المغفرة أعم من الستر على المعصية المعروفة عند المتشرعة بل كل ستر إلهي يسعد الإنسان ويجمع شمله.

وأما حقيقة الشكر فإن العناية الإلهية التي حالت بينه وبين السؤال الذي كان يوجب دخوله في زمرة الجاهلين وعصمته ببيان وجه الصواب كانت سترا إلهيا على زلة في طريقه ورحمة ونعمة أنعم الله سبحانه بها عليه فقوله (عليه السلام) :"و إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين"أي إن لم تعذني من الزلات لخسرت ، ثناء وشكر لصنعه الجميل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت