فهرس الكتاب

الصفحة 2124 من 4314

قوله تعالى:"قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك"إلخ ، السلام هو السلامة أو التحية غير أن ذكر مس العذاب في آخر الآية يؤيد كون المراد به في صدرها السلامة من العذاب وكذا تبديل البركة في آخر الآية إلى التمتع يدل على أن المراد بالبركات ليس مطلق النعم وأمتعة الحياة بل النعم من حيث تسوق الإنسان إلى الخير والسعادة والعاقبة المحمودة.

فقوله:"قيل - ولم يذكر القائل وهو الله سبحانه للتعظيم - يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك"معناه - والله أعلم - يا نوح انزل مع سلامة من العذاب - الطوفان - ونعم ذوات بركات وخيرات نازلة منا عليك أو أنزل بتحية وبركات نازلة منا عليك.

وقوله:"و على أمم ممن معك"معطوف على قوله:"عليك"وتنكير أمم يدل على تبعيضهم لأن من الأمم من يذكره تعالى بعد في قوله:"و أمم سنمتعهم".

والخطاب أعني قوله تعالى:"يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك"إلى آخر الآية بالنظر إلى ظرف صدوره وليس وقتئذ متنفس على وجه الأرض من إنسان أو حيوان وقد أغرقوا جميعا ولم يبق منهم إلا جماعة قليلة في السفينة وقد رست واستوت على الجودي ، وقد قضي أن ينزلوا إلى الأرض فيعمروها ويعيشوا فيها إلى حين.

خطاب عام شامل للبشر من لدن خروجهم منها إلى يوم القيامة نظير ما صدر من الخطاب الإلهي يوم أهبط آدم (عليه السلام) من الجنة إلى الأرض وقد حكاه الله تعالى في موضع بقوله:"و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين - إلى أن قال - قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون:"البقرة: - 39 وفي موضع آخر بقوله:"قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون:"الأعراف: - 25.

وهذا الخطاب خطاب ثان مشابه لذاك الخطاب الأول موجه إلى نوح (عليه السلام) ومن معه من المؤمنين - وإليهم ينتهي نسل البشر اليوم - متعلق بهم وبمن يلحق بهم من ذراريهم إلى يوم القيامة ، وهو يتضمن تقدير حياتهم الأرضية والإذن في نزولهم إليها واستقرارهم فيها وإيوائهم إياها.

وقد قسم الله هؤلاء المأذون لهم قسمين فعبر عن إذنه لطائفة منهم بالسلام والبركات وهم نوح (عليه السلام) وأمم ممن معه ، ولطائفة أخرى بالتمتيع ، وعقب التمتيع بمس العذاب لهم كما كلمتي السلام والبركات لا تخلوان من بشرى الخير والسعادة بالنسبة إلى من تعلقتا به.

فقد بان من ذلك أن الخطاب بالهبوط في هذه الآية مع ما يرتبط به من سلام وبركات وتمتيع موجه إلى عامة البشر من حين هبوط أصحاب السفينة إلى يوم القيامة ، ووزانه وزان خطاب الهبوط الموجه إلى آدم وزوجته (عليه السلام) ، وفي هذا الخطاب إذن في الحياة الأرضية ووعد لمن أطاع الله سبحانه ووعيد لمن عصاه كما أن في ذلك الخطاب ذلك طابق النعل بالنعل.

وظهر بذلك أن المراد بقوله:"و على أمم ممن معك"الأمم الصالحون من أصحاب السفينة ومن سيظهر من نسلهم من الصالحين ، والظاهر على هذا أن يكون"من"في قوله"ممن معك"ابتدائية لا بيانية ، والمعنى وعلى أمم يبتدي تكونهم ممن معك ، وهم أصحاب السفينة والصالحون من نسلهم.

وظاهر هذا المعنى أن يكون أصحاب السفينة كلهم سعداء ناجين ، والاعتبار يساعد ذلك فإنهم قد محصوا بالبلاء تمحيصا وآثروا ما عند الله من زلفى وقد صدق الله سبحانه إيمانهم مرتين في أثناء القصة حيث قال عز من قائل:"إلا من قد آمن:"آية - 36 من السورة ، وقال:"و من آمن وما آمن معه إلا قليل:"آية - 40 من السورة.

وقوله:"و أمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم"كأنه مبتدأ لخبر محذوف والتقدير: وممن معك أمم أو وهناك أمم سنمتعهم إلخ ، وقد أخرجهم الله سبحانه من زمرة المخاطبين بخطاب الإذن فلم يقل: ومتاع لأمم آخرين سيعذبون طردا لهم من موقف الكرامة ، فأخبر أن هناك أمما آخرين سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة إذن كرامة وزلفى.

وفي الآية جهات من تعظيم القائل لا تخفى كالبناء للمفعول في"قيل"وتخصيص نوح (عليه السلام) بخطاب الهبوط والتكلم مع الغير في قوله:"منا في موضعين و"سنمتعهم"وغير ذلك."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت