فهرس الكتاب

الصفحة 2135 من 4314

و من الضروري أن الاجتماع التعاوني بين الأفراد لا يتم إلا بقوانين يحكم فيها وحفاظ تقوم بها ، وهذا مما استمرت سيرة النوع عليه فما من مجتمع من المجتمعات الإنسانية كاملا كان أو ناقصا ، راقيا كان أو منحطا إلا ويجري فيه رسوم وسنن جريانا كليا أو أكثريا ، والتاريخ والتجربة والمشاهدة أعدل شاهد في تصديقه وهذه الرسوم والسنن وإن شئت فسمها القوانين هي مواد وقضايا فكرية تطبق عليها أعمال الناس تطبيقا كليا أو أكثريا في المجتمع فينتج سعادتهم حقيقة أو ظنا فهي أمور متخللة بين كمال الإنسان ونقصه ، وأشياء متوسطة بين الإنسان وهو في أول نشأته وبينه وهو مستكمل في حياته عائش في مجتمعه تهدي الإنسان إلى غاية وجوده فافهم ذلك.

وقد علم أن من الواجب في عناية الله أن يهدي الإنسان إلى سعادة حياته وكمال وجوده على حد ما يهدي سائر الأنواع إليه فكما هداه بواجب عنايته من طريق الخلقة والفطرة إلى ما فيه خيره وسعادته وهو الذي يبعثها إليه نظام الكون والجهازات التي جهز بها إلى أن يشعر بما فيه نفعه ويميز خيره من شره وسعادته من شقائه كما قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها:"الشمس: - 10.

يهديه بواجب عنايته إلى أصول وقوانين اعتقادية وعملية يتم له بتطبيق شئون حياته عليها كماله وسعادته فإن العناية الإلهية بتكميل الأنواع بما يناسب نوع وجودها توجب هذا النوع من الهداية كما توجب الهداية التكوينية المحضة.

ولا يكفي في ذلك ما جهز به الإنسان من العقل - وهو هاهنا العملي منه - فإن العقل كما سمعت يبعث نحو الاستخدام ويدعو إلى الاختلاف ، ومن المحال أن يفعل شيء من القوى الفعالة فعلين متقابلين ويفيد أثرين متناقضين ، على أن المتخلفين من هذه القوانين والمجرمين بأنواع الجرائم المفسدة للمجتمع كلهم عقلاء ممتعون بمتاع العقل مجهزون به.

فظهر أن هناك طريقا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحق ومنهج الكمال والسعادة غير طريق التفكر والتعقل وهو طريق الوحي ، وهو نوع تكليم إلهي يعلم الإنسان ما يفوز بالعمل به والاعتقاد له في حياته الدنيوية والأخروية.

فإن قلت: الأمر سواء فإن شرع النبوة لم يأت بأزيد مما لو كان العقل لأتى به فإن العالم الإنساني لم يخضع لشرائع الأنبياء كما لم يصغ إلى نداء العقل ، ولم يقدر الوحي أن يدير المجتمع الإنساني ويركبه صراط الحق فما هي الحاجة إليه؟ قلت: لهذا البحث جهتان: جهة أن العناية الإلهية من واجبها أن تهدي المجتمع الإنساني إلى تعاليم تسعده وتكمله لو عمل بها وهي الهداية بالوحي ولا يكفي فيها العقل ، وجهة أن الواقع في الخارج والمتحقق بالفعل ما هو؟ وإنما نبحث في المقام من الجهة الأولى دون الثانية ، ولا يضر بها أن هذه الطريقة لم تجر بين الناس إلى هذه الغاية إلا قليلا.

وذلك كما أن العناية الإلهية تهدي أنواع النبات والحيوان إلى كمال خلقها وغاية وجودها ومع ذلك يسقط أكثر أفراد كل نوع دون الوصول إلى غايته النوعية ويفسد ويموت قبل البلوغ إلى عمره الطبيعي.

وبالجملة فطريق النبوة مما لا مناص منه في تربية النوع بالنظر إلى العناية الإلهية وإلا لم تتم الحجة بمجرد العقل لأن له شغلا غير الشغل وهو دعوة الإنسان إلى ما فيه صلاح نفسه ، ولو دعاه إلى شيء من صلاح النوع فإنما يدعوه إليه بما فيه صلاح نفسه فافهم ذلك وأحسن التدبر في قوله تعالى:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما:"النساء: - 165.

فمن الواجب في العناية أن ينزل الله على المجتمع الإنساني دينا يدينون به وشريعة يأخذون بها في حياتهم الاجتماعية دون أن يخص بها قوما ويترك الآخرين سدى لا عناية بهم ، ولازمه الضروري أن يكون أول شريعة نزلت عليهم شريعة عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت