ثم جاء الطوفان كما أنبأت السمكة ، وحين دخل"مانو"السفينة عامت السمكة إليه فربط السفينة بقرن على رأسها فجرتها إلى الجبال الشمالية ، وهنا ربط مانو السفينة بشجرة ، وعند ما تراجع الماء وجف بقي مانو وحده.
انتهى.
6 -هل كانت نبوته ع عامة للبشر؟
مسألة اختلفت فيها آراء العلماء.
فالمعروف عند الشيعة عموم رسالته ، وقد ورد من طرق أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل عليه ، وعلى أن أولي العزم من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا مبعوثين إلى الناس كافة.
وأما أهل السنة فمنهم من قال بعموم رسالته مستندا إلى ظاهر الآيات الناطقة بشمول الطوفان لأهل الأرض كلهم كقوله:"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا:"نوح: - 26 وقوله:"لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم:"هود: - 43 ، وقوله:"و جعلنا ذريته هم الباقين:"الصافات - 77 ، وما ورد في الصحيح من حديث الشفاعة أن نوحا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض ولازمه كونه مبعوثا إليهم كافة.
ومنهم من أنكر ذلك مستندا إلى ما ورد في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة"وأجابوا عن الآيات أنها قابلة للتأويل فمن الجائز أن يكون المراد بالأرض هي التي كانوا يسكنونها وهي وطنهم كقول فرعون لموسى وهارون:"و تكون لكما الكبرياء في الأرض:"يونس: - 78.
فمعنى الآية الأولى: لا تذر على هذه الأرض من كافري قومي ديارا ، وكذا المراد بالثانية: لا عاصم اليوم لقومي من أمر الله ، والمراد بالثالثة: وجعلنا ذريته هم الباقين من قومه.
والحق أن البحث لم يستوف حقه في كلامهم ، والذي ينبغي أن يقال: إن النبوة إنما ظهرت في المجتمع الإنساني عن حاجة واقعية إليها ورابطة حقيقية بين الناس وبين ربهم وهي تعتمد على حقيقة تكوينية لا اعتبارية جزافية فإن من القوانين الحقيقية الحاكمة في نظام الكون ناموس تكميل الأنواع وهدايتها إلى غاياتها الوجودية ، وقد قال تعالى:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى:"الأعلى: - 3 ، وقال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:"طه: - 50.
فكل نوع من أنواع الكون متوجه منذ أول تكونه إلى كمال وجوده وغاية خلقه الذي فيه خيره وسعادته ، والنوع الإنساني أحد هذه الأنواع غير مستثنى من بينها فله كمال وسعادة يسير إليها ويتوجه نحوها أفراده فرادى ومجتمعين ومن الضروري عندنا أن هذا الكمال لا يتم للإنسان وحده لوفور حوائجه الحيوية وكثرة الأعمال التي يجب أن يقوم بها لأجل رفعها فالعقل العملي الذي يبعثه إلى الاستفادة من كل ما يمكنه الاستفادة منه واستخدام الجماد وأصناف النبات والحيوان في سبيل منافعه يبعثه إلى الانتفاع بأعمال غيره من بني نوعه.
غير أن الأفراد أمثال وفي كل واحد منهم من العقل العملي والشعور الخاص الإنساني ما في الآخر ويبعثه من الانتفاع إلى مثل ما يبعث إليه الآخر ما عنده من العقل العملي ، واضطرهم ذلك إلى الاجتماع التعاوني بأن يعمل الكل للكل وينتفع من عمل الغير بمثل ما ينتفع الغير من عمله فيتسخر كل لغيره بمقدار ما يسخره كما قال تعال:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا:"الزخرف: - 32.
وهذا الذي ذكرناه من بناء الإنسان على الاجتماع التعاوني اضطراري له ألزمه عليه حاجة الحياة وقوة الرقباء فهو في الحقيقة مدني تعاوني بالطبع الثاني وإلا فطبعه الأولي أن ينتفع بكل ما يتيسر له الانتفاع حتى أعمال أبناء نوعه ، ولذلك مهما قوي الإنسان واستغنى واستضعف غيره عدا عليه وأخذ يسترق الناس ويستثمرهم من غير عوض قال تعالى:"إن الإنسان لظلوم كفار:"إبراهيم: - 34 وقال:"إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى:"العلق: - 8.