و منها: ما ذكر فيه من حديث قوس قزح وقصة إرسال الغراب والحمامة للاستخبار وخصوصيات السفينة من عرضها وطولها وارتفاعها وطبقاتها الثلاث ومدة الطوفان وارتفاع الماء وغير ذلك فهي خصوصيات لم تذكر في القرآن الكريم وبعضها بعيد مستبعد كالميثاق بالقوس ، وقد كثر الاقتصاص بمثل هذه المعاني في قصة نوح (عليه السلام) في لسان الصحابة والتابعين ، وأكثرها بالإسرائيليات أشبه.
5 -ما جاء في أمر الطوفان في أخبار الأمم وأساطيرهم:
قال صاحب المنار في تفسيره ،: قد ورد في تواريخ الأمم القديمة ذكر للطوفان منها الموافق لخبر سفر التكوين إلا قليلا ومنها المخالف له إلا قليلا.
وأقرب الروايات إليه رواية الكلدانيين ، وهم الذين وقع الطوفان في بلادهم فقد نقل عنهم"برهوشع"و"يوسيفوس"أن"زيزستروس"رأى في الحلم بعد موت والده"أوتيرت"أن المياه ستطغى وتغرق جميع البشر ، وأمره ببناء سفينة يعتصم فيها هو وأهل بيته وخاصة أصدقائه ففعل.
وهو يوافق سفر التكوين في أنه كان في الأرض جيل من الجبارين طغوا فيها وأكثروا الفساد فعاقبهم الله بالطوفان.
وقد عثر بعض الإنجليز على ألواح من الأجر نقشت فيها هذه الرواية بالحروف المسمارية في عصر آشور بانيبال من نحو ستمائة وستين سنة قبل ميلاد المسيح ، وأنها منقولة من كتابة قديمة من القرن السابع عشر قبل المسيح أو قبله فهي أقدم من سفر التكوين.
وروى اليونان خبرا عن الطوفان أورده أفلاطون وهو أن كهنة المصريين قالوا لسولون - الحكيم اليوناني - إن السماء أرسلت طوفانا غير وجه الأرض فهلك البشر مرارا بطرق مختلفة فلم يبق للجيل الجديد شيء من آثار من قبله ومعارفهم.
وأورد"مانيتون"خبر طوفان حدث بعد هرمس الأول الذي كان بعد ميناس الأول ، وهذا أقدم من تاريخ التوراة أيضا ، وروي عن قدماء اليونان خبر طوفان عم الأرض كلها إلا"دوكاليون"وامرأته"بيرا"فقد نجوا منه.
وروي عن قدماء الفرس طوفان أغرق الله به الأرض بما انتشر فيها من الفساد والشرور بفعل أهريمان إله الشر ، وقالوا: إن هذا الطوفان فار أولا من تنور العجوز زول كوفه إذ كانت تخبز خبزها فيه ، ولكن المجوس أنكروا عموم الطوفان وقالوا: إنه كان خاصا بإقليم العراق وانتهى إلى حدود كردستان.
وكذا قدماء الهنود يثبتون وقوع الطوفان سبع مرات في شكل خرافي آخرها أن ملكهم نجا هو وامرأته في سفينة عظيمة أمره بصنعها إلهه فشنو وسدها بالدسر حتى استوت على جبل جيمافات - هملايا - ولكن البراهمة كالمجوس ينكرون وقوع طوفان عام أغرق الهند كلها ، وروي تعدد الطوفان عن اليابان والصين وعن البرازيل والمكسيك وغيرهما ، وكل هذه الروايات تتفق في أن سبب ذلك عقاب الله للبشر بظلمهم وشرورهم.
انتهى.
وقد 1 وقع في"أوستا"وهو كتاب المجوس المقدس أن"أهورامزدا"أوحى إلى"إيما"وتعتقد المجوس أنه جمشيد الملك أنه سيقع طوفان يغرق الأرض ، وأمره أن يبني حائطا مرتفعا غايته يحفظ من في داخله من الغرق ، وأن يجمع في داخله جماعة من الرجال والنساء صالحة للنسل ، ويدخل فيه من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين ، ويبني في داخل السور بيوتا وقبابا في طبقات مختلفة يسكنها الناس المجتمعون هناك ويأوي إليها الدواب والطيور ، وأن يغرس في داخله ما ينفع في حياة الناس من الأشجار المثمرة ، ويحرث ما يرتزق به الناس من الحبوب الكريمة فيحتفظ بذلك ما به حياة الدنيا وعمارتها.
وفي تاريخ الأدب الهندي 2 في قصة الطوفان: أنه بينما كان"مانو"هو ابن الإله عند الوثنيين يغسل يديه إذ جاءت في يده سمكة ، ومما اندهش به أن السمكة كلمته وطلبت إنقاذها من الهلاك ووعدته جزاء عليه أنها ستنقذ"مانو"في المستقبل من خطر عظيم ، والخطر العظيم المحدق الذي أنبأت به السمكة كان طوفانا سيجرف جميع المخلوقات وعلى ذلك حفظ"مانو"السمكة في المرتبان.
فلما كبرت أخبرت"مانو"عن السنة التي سيأتي فيها الطوفان ثم أشارت على مانو أن يصنع سفينة كبيرة ويدخل فيها عند طوفان الماء قائلة: أنا أنقذك من الطوفان ، فمانو صنع السفينة والسمكة كبرت أكثر من سعة المرتبان لذلك ألقاها في البحر.