و هذه الأراضي التي تحكي عن جريان مياه كثيرة جدا وسيلان سيول هائلة عظيمة توجد في أغلب مناطق الأرض منها أغلب نقاط إيران كأراضي طهران وقزوين وسمنان وسبزوار ويزد وتبريز وكرمان وشيراز وغيرها ، ومنها مركز بين النهرين وجنوبه ، وما وراء النهر ، وصحراء الشام ، والهند ، وجنوب فرنسا ، وشرقي الصين ، ومصر ، وأكثر قطعات أمريكا ، وتبلغ صخامة الطبقة الرسوبية في بعض الأماكن إلى مئات الأمتار كما أنها في أرض طهران تجاوز أربعمائة مترا.
وينتج مما مر أولا: أن سطح الأرض في عهد ليس بذاك البعيد على ما سيأتي توضيحه كان مجرى سيول هائلة عظيمة ربما غطت معظم بقاعها.
وثانيا: أن الطغيان والطوفان - بالنظر إلى صخامة القشر الرسوبي في بعض الأماكن - لم يحدث مرة واحدة ولا في سنة أو سنين معدودة بل دام أو تكرر في مئات من السنين كلما حدث مرة كون طبقة رسوبية ثم إذا انقطع غطتها طبقة ترابية ثم إذا عاد كون أخرى وهكذا وكذلك اختلاف الطبقات الرسوبية في دقة رمالها وعدمها يدل على اختلاف السيلان بالشدة والضعف.
2 -الطبقات الرسوبية أحدث القشور والطبقات الجيولوجية:
ترسب الطبقات الرسوبية عادة رسوبا أفقيا ولكن ربما وقعت أجزاؤها المتراكمة تحت ضغطات جانبية قوية شديدة على ما بها من الدفع من فوق ومن تحت فتخرج بذلك تدريجا عن الأفقية إلى التدوير والالتواء ، وهذا غير ظاهر الأثر في الأزمنة القصيرة المحدودة لكن إذا تمادى الزمان بطوله كمرور الملايين من السنين ظهر الأثر وتكونت بذلك الجبال بسلاسلها الملتوية بعض تلالها في بعض وترتفع بقللها من سطوح البحار.
ويستنتج من ذلك أن الطبقات الرسوبية والقشور الأفقية الباقية على حالها من أحدث الطبقات المتكونة على البسيط ، والدلائل الفنية الموجودة تدل على أن عمرها لا يجاوز عشرة آلاف إلى خمس عشرة ألف سنة من زماننا هذا 1.
3 -انبساط البحار واتساعها بانحدار المياه إليها:
كأن تكون القشور الرسوبية الجديدة عاملا في انبساط أكثر بحار الكرة واتساعها بأطرافها فارتفعت مياهها وغطت أكثر سواحلها وعملت جزائر في السواحل أحاطت بها من معظم جوانبها.
فمن ذلك جزيرة بريطانية انقطعت في هذا الحين من فرنسا وانفصلت من أوربا بالكلية ، وكانت أوربا من ناحية جنوبها وإفريقا من ناحية شمالها مرتبطتين برابط بري إلى هذا الحين فانفصلتا باتساع البحر المتوسط مديترانة وتكون بذلك شبه جزيرة إيطاليا وشبه جزيرة تونس من شمالها الشرقي وجزائر صقلية وسردينيا وغيرها وكانت جزائر أندونيسيا من ناحية جاوا وسوماترا إلى جنوبي جزيرة اليابان متصلة بآسيا من جهة الجنوب الشرقي إلى هذا الحين فانفصلت وتحولت إلى صورتها الفعلية ، وكذا انقطاع أمريكا الشمالية من جهة شمالها عن شمال أوربا أحد الآثار الباقية من هذا العهد عهد الطوفان.
وللحركات والتحولات الأرضية الداخلية آثار في سير هذه المياه واستقرارها في البقاع الخافضة المنحدرة ولذلك كان ينكشف الماء عن بعض البقاع الساحلية المغمورة بماء البحار في حين كان الطوفان مستوليا على أكثر البسيط يكون بحيرات ويوسع بحارا ، ومن هذا الباب سواحل خوزستان الجنوبية انكشف عنها ماء الخليج 1.
4 -العوامل المؤثرة في ازدياد المياه وغزارة عملها في عهد الطوفان:
الشواهد الجيولوجية التي أشرنا إلى بعضها تؤيد أن النزولات الجوية كانت غير عادية في أوائل الدور الحاضر من أدوار الحياة الإنسانية وهو عهد الطوفان ، وقد كان ذلك عن تغيرات جوية هامة خارقة للعادة قطعا.
فكان الهواء حارا في هذه الدورة نسبة لكن كان ذلك مسبوقا ببرد شديد وقد غطى معظم النصف الشمالي من الكرة الثلج والجمد والجليد فمن المحتمل قويا أن المتراكم من جمد الدورة السابقة عليه كان باقيا لم يذب بعد في النجود في أكثر بقاع المنطقة المعتدلة الشمالية.
فعمل الحرارة في سطح الأرض في دورتين متواليتين على ما به من متراكم الجمد والجليد يوجب تغيرا شديدا في الجو وانقلابا عظيما مؤثرا في ارتفاع بخار الماء إليه وتراكمه فيه تراكما هائلا غير عادي وتعقبه نزولات شديدة وأمطار غزيرة غير معهودة.