فهرس الكتاب

الصفحة 2151 من 4314

أما الإسلام فإنه أصلح هذه المفاسد إذ قلب هذه المعارف العالية في قالب البيان الساذج الذي يصلح لهضم الأفهام الساذجة والعقول العادية فصارت تلامسها من وراء حجاب وتتناولها ملفوفة محفوفة ، وهذا هو الذي يصلح به حال العامة وأما الخاصة فإنهم ينالونها مسفرة مكشوفة في جمالها الرائع وحسنها البديع آمنين مطمئنين وهم في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، قال الله تعالى:"و الكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم:"الزخرف: - 4 ، وقال:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون:"الواقعة: - 79 ، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم".

وعالج غائلة الشرك والوثنية في مرحلة التوحيد بنفي الاستقلال في الذات والصفات عن كل شيء إلا الله سبحانه فهو تعالى القيوم على كل شيء ، وركز الأفهام في معرفة الألوهية بين التشبيه والتنزيه فوصفه تعالى بأن له حياة لكن لا كحياتنا ، وعلما لا كعلمنا ، وقدرة لا كقدرتنا وسمعا لا كسمعنا ، وبصرا لا كبصرنا ، وبالجملة ليس كمثله شيء وأنه أكبر من أن يوصف ، وأمر الناس مع ذلك أن لا يقولوا في ذلك قولا إلا عن علم ، ولا يركنوا إلى اعتقاد إلا عن حجة عقلية يهضمها عقولهم وأفهامهم.

فوفق بذلك أولا لعرض الدين على العامة والخاصة شرعا سواء ، وثانيا أن يعمل العقل السليم من غير أن يترك هذه الموهبة الإلهية سدى لا ينتفع بها ، وثالثا أن قرب بين الطبقات المختلفة في المجتمع الإنساني غاية ما يمكن فيها من التقريب من غير أن ينعم على هذا ويحرم ذاك أو يقدم واحدا ويؤخر آخر قال تعالى:"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون:"الأنبياء: - 92 وقال:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات: - 13.

وهذا إجمال من القول يمكنك أن تعثر على تفصيل القول في أطرافه في أبحاث متفرقة تقدمت في هذا الكتاب والله المستعان.

4 -ربما يظن أن ما ورد في الأدعية من الاستشفاع بالنبي وآله المعصومين (عليهم السلام) ومسألته تعالى بحقهم وزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرك بتربتهم وتعظيم آثارهم من الشرك المنهي عنه وهو الشرك الوثني محتجا بأن هذا النوع من التوجه العبادي فيه إعطاء تأثير ربوبي لغيره تعالى وهو شرك وأصحاب الأوثان إنما أشركوا لقولهم في أوثانهم: إن هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وقولهم: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، ولا فرق في عبادة غير الله سبحانه بين أن يكون ذلك الغير نبيا أو وليا أو جبارا من الجبابرة أو غيرهم فالجميع من الشرك المنهي عنه.

وقد فاتهم أولا أن ثبوت التأثير سواء كان ماديا أو غير مادي في غيره تعالى ضروري لا سبيل إلى إنكاره ، وقد أسند تعالى في كلامه التأثير بجميع أنواعه إلى غيره ونفي التأثير عن غيره تعالى مطلقا يستلزم إبطال قانون العلية والمعلولية العام الذي هو الركن في جميع أدلة التوحيد ، وفيه هدم بنيان التوحيد.

نعم المنفي من التأثير عن غيره تعالى هو الاستقلال في التأثير ولا كلام لأحد فيه ، وأما نفي مطلق التأثير ففيه إنكار بديهة العقل والخروج عن الفطرة الإنسانية.

ومن يستشفع بأهل الشفاعة الذين ذكرهم الله في مثل قوله:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون:"الزخرف: - 86 وقوله:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى:"الأنبياء: - 28.

أو يسأل الله بجاههم ويقسمه بحقهم الذي جعله لهم عليه بمثل قوله مطلقا:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:"الصافات: - 173 وقوله:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا:"المؤمن: - 51.

أو يعظمهم ويظهر حبهم بزيارة قبورهم وتقبيلها والتبرك بتربتهم بما أنهم آيات الله وشعائره تمسكا بمثل قوله تعالى:"و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب:"الحج: - 32 ، وآية القربى وغير ذلك من كتاب وسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت