فهرس الكتاب

الصفحة 2160 من 4314

فدين الوثنية مبني على انقطاع النسبة بين الله سبحانه وبين الإنسان واستقرارها بينه وبين تلك الوسائط الشريفة التي يتوجهون إليها مع استقلال هذه الوسائط في التأثير ، وشفاعتها عند الله.

ولما كان الله تعالى هو الذي أنشأ الإنسان من الأرض واستعمره فيها فهو تعالى ذو نسبة إلى الإنسان قريب منه ، ولا استقلال لشيء من هذه الأسباب التي نظمها وأجراها في هذا العالم حتى يرجى منها خير بالإرضاء أو يترقب شر بالإسخاط.

فالله سبحانه هو الذي يجب أن يعبد فيرجى بذلك رضاه ، ويتقى بذلك سخطه لمكان أنه هو الخالق للإنسان ولكل شيء المدبر أمره وأمر كل شيء فقوله:"هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"مسوق لتعليل سابقه والاحتجاج عليه من طريق إثبات النسبة بينه تعالى وبين الإنسان ونفي الاستقلال من الأسباب.

ولذلك عقبه بقوله:"فاستغفروه ثم توبوا إليه"على وجه التفريع أي فإذا كان الله تعالى هو الذي يجب عليكم أن تعبدوه وتتركوا غيره لكونه هو خالقكم المدبر لأمر حياتكم فاسألوه أن يغفر لكم معصيتكم بعبادة غيره ، وارجعوا إليه بالإيمان به وعبادته.

إنه قريب مجيب.

وقد علل قوله:"فاستغفروه"إلخ ، بقوله:"إن ربي قريب مجيب"لأنه استنتج من حجته المذكورة أنه تعالى يقوم بإيجاد الإنسان وتربيته وتدبير أمر حياته ، وأنه لا استقلال لشيء من الأسباب العمالة في الكون بل الله تعالى هو الذي يسوق هذا إلى هنا ، ويصرف ذاك عن هناك فهو تعالى الحائل بين الإنسان وبين حوائجه وجميع الأسباب العمالة فيها ، القريب منه لا كما يزعمون أنه لا يدركه فهم ولا يناله عبادة وقربان ، وإذا كان قريبا فهو مجيب ، وإذا كان قريبا مجيبا وهو الله لا إله غيره فمن الواجب أن يستغفروه ثم يتوبوا إليه.

قوله تعالى:"قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا"إلخ ، الرجاء إنما يتعلق بالإنسان لا من جهة ذاته بل من جهة أفعاله وآثاره ، ولا يرجى منها إلا الخير والنفع فكونه مرجوا هو أن يوجد ذا رشد وكمال في شخصه وبيته فيستهل منه الخير ويترقب منه النفع ، وقوله:"قد كنت فينا"دليل على كونه مرجوا لعامتهم وجمهورهم.

فقولهم:"يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا"معناه أن ثمود كانت ترجو منك أن تكون من أفرادها الصالحة تنفع بخدماتك مجتمعهم وتحمل الأمة على صراط الترقي والتعالي لما كانت تشاهد فيك من أمارات الرشد والكمال لكنهم يئسوا منك ومن رزانة رأيك اليوم بما أبدعت من القول وأقمت من الدعوة.

وقولهم:"أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا"استفهام إنكاري بداعي المذمة والملامة ، والاستفهام في مقام التعليل لما قبله محصله أن سبب يأسهم منك اليوم أنك تنهاهم من إقامة سنة من سنن مليتهم وتمحو أظهر مظاهر قوميتهم فإن اتخاذ الأوثان من سنن هذا المجتمع المقدسة ، واستمرار إقامة السنن المقدسة من المجتمع دليل على أنهم ذوو أصل عريق ثابت ، ووحدة قومية لها استقامة في الرأي والإرادة.

والدليل على ما ذكرنا قوله:"أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا"الدال على معنى العبادة المستمرة باتصال عبادة الأبناء بعبادة الآباء ولم يقل: أ تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا؟ والفرق بين التعبيرين من جهة المعنى واضح.

ومن هنا يظهر أن تفسير بعض المفسرين كصاحب المنار وغيره قوله:"أن نعبد ما يعبد آباؤنا"بقولهم:"أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا"من الخطإ.

وقوله:"و إننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب"حجة ثانية لهم في رد دعوة صالح (عليه السلام) ، وحجتهم الأولى ما يتضمنه صدر الآية ومحصلها أن ما تدعو إليه من رفض عبادة الأصنام بدعة منكرة تذهب بسنة ثمود المقدسة وتهدم بنيان مليتهم ، وتميت ذكرهم فعلينا أن نرده ، والثانية أنك لم تأت بحجة بينة على ما تدعو إليه تورث اليقين وتميط الشك عنا فنحن في شك مريب مما تدعونا إليه وليس لنا أن نقبل ما تندب إليه على شك منا فيه.

والإرابة الاتهام وإساءة الظن يقال: رابني منه كذا إذا أوجب فيه الشك وأرابني كذا إرابة إذا حملك على اتهامه وسوء الظن به.

قوله تعالى:"قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة"إلى آخر الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت