المراد بالبينة الآية المعجزة وبالرحمة النبوة ، وقد تقدم الكلام في نظير الآية من قصة نوح (عليه السلام) في السورة.
وقوله:"فمن ينصرني من الله إن عصيته"جواب الشرط ، وحاصل المعنى: أخبروني إن كنت مؤيدا بآية معجزة تنبىء عن صحة دعوتي وأعطاني الله الرسالة فأمرني بتبليغ رسالته فمن ينجني من الله ويدفع عني إن أطعتكم فيما تسألون ووافقتكم فيما تريدونه مني وهو ترك الدعوة.
ففي الكلام جواب عن كلتا حجتيهم واعتذار عما لاموه عليه من الدعوة المبتدعة.
وقوله:"فما تزيدونني غير تخسير"تفريع على قوله السابق الذي ذكره في مقام دحض الحجتين والاعتذار عن مخالفتهم والقيام بدعوتهم إلى خلاف سنتهم القومية فالمعنى فما تزيدونني في حرصكم على ترك الدعوة والرجوع إليكم واللحوق بكم غير أن تخسروني فما مخالفة الحق إلا خسارة.
وقيل: المراد أنكم ما تزيدونني في قولكم: أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ غير نسبتي إياكم إلى الخسارة.
وقيل: المعنى ما تزيدونني إلا بصيرة في خسارتكم والوجه الأول أوجه.
قوله تعالى:"و يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب"إضافة الناقة إلى الله إضافة تشريف كبيت الله وكتابة الله.
وكانت الناقة آية معجزة له (عليه السلام) تؤيد نبوته ، وقد أخرجها عن مسألتهم من صخر الجبل بإذن الله ، وقال لهم: أنها تأكل في أرض الله محررة ، وحذرهم أن يمسوها بسوء أي يصيبوها بضرب أو جرح أو قتل.
وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك أخذهم عذاب قريب معجل ، وهذا معنى الآية.
قوله تعالى:"فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب"عقر الناقة نحرها ، والدار هي المكان الذي يبنيه الإنسان فيسكن فيه ويأوي إليه هو وأهله ، والمراد بها في الآية المدينة سميت دارا لأنها تجمع أهلها كما تجمع الدار أهلها ، وقيل المراد بالدار الدنيا ، وهو بعيد.
والمراد بتمتعهم في مدينتهم العيش والتنعم بالحياة لأن الحياة الدنيا متاع يتمتع به ، أو الالتذاذ بأنواع النعم التي هيئوها فيها من مناظر ذات بهجة والأثاث والمأكول والمشروب والاسترسال في أهواء أنفسهم.
وقوله:"ذلك وعد غير مكذوب"الإشارة إلى قوله:"تمتعوا"إلخ ، و"وعد غير مكذوب"بيان له.
قوله تعالى:"فلما جاء أمرنا نجينا صالحا"إلى آخر الآية.
أما قوله:"فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا"فقد تقدم الكلام في مثله في قصة هود.
وأما قوله:"و من خزي يومئذ"فمعطوف على محذوف والتقدير نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ ، والخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيي من إظهاره أو أن التقدير: نجيناهم من القوم ومن خزي يومئذ على حد قوله:"و نجني من القوم الظالمين".
وقوله:"إن ربك هو القوي العزيز"في موضع التعليل لمضمون صدر الآية وفيه التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة ، وقد تقدم نظيره في آخر قصة هود في قوله:"ألا إن عادا كفروا ربهم"والوجه فيه ذكر صفة الربوبية ليدل به على خروجهم من زي العبودية وكفرهم بالربوبية وكفرانهم نعم ربهم.
قوله تعالى:"و أخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين"يقال: جثم جثوما إذا وقع على وجهه ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"كأن لم يغنوا فيها"غني بالمكان أي أقام فيه والضمير راجع إلى الديار.
قوله تعالى:"ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود"الجملتان تلخيص ما تقدم تفصيله من القصة فالجملة الأولى تلخيص ما انتهى إليه أمر ثمود ودعوة صالح (عليه السلام) ، والثانية تلخيص ما جازاهم الله به ، وقد تقدم نظيرة الآية في آخر قصة هود.