لكن الحق أن الآيات في جميع السور الأربع سورة هود والحجر والعنكبوت والذاريات إنما تقص قصة البشارة بإسحاق ويعقوب دون إسماعيل.
وأما ما في ذيل آيات الذاريات من قوله:"قالوا إنا أرسلنا الظاهر في المضي والفراغ عن الأمر فنظيره واقع في آيات الحجر مع تسليمهم أنها تقص ما قبل الفراغ."
على أن قول الملائكة المرسلين وهم بعد في الطريق:"إنا أرسلنا"لا مانع منه بحسب اللغة والعرف.
وأما قوله:"فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين"إلى آخر الآيات فهو من كلامه تعالى وليس من تتمة كلام الملائكة لإبراهيم كما يدل عليه سياق القصص الواردة في سورة الذاريات.
وأما ذكر الوجل في آيات الحجر في أول القصة بخلاف سورتي الذاريات وهود فالوجه فيه عدم ذكر تقديم العجل المشوي في آيات الحجر بخلافهما ، على أن الارتباط التام بين أجزاء قصة مما يجوز أن يقدم بعضها على بعض حينا ويعكس الأمر حينا آخر كما أنه تعالى يذكر إنكار إبراهيم في آيات الذاريات في صدر القصة بعد سلامهم وفي سورة هود في وسط القصة بعد امتناعهم من الأكل ، وهذا كثير الورود في نظم القرآن.
على أن آيات هود صريحة في البشرى بإسحاق ويعقوب وهي تتضمن جدال إبراهيم في قوم لوط في سياق لا يشك معه أنه كان قبل هلاك لوط ، ولازمه كون بشرى إسحاق قبله لا بعده.
على أن من المتفق عليه أن إسماعيل كان أكبر سنا من إسحاق وبين ولادتيهما سنون ، ولو كانت هؤلاء الملائكة بشروا إبراهيم بإسماعيل في مسيرهم إلى هلاك قوم لوط قبيل الهلاك وبشروه بإسحاق في منصرفهم عن هلاكهم بعيدة كان الفصل بين البشريين يوما أو يومين فيكون الفصل بين البشرى بإسحاق وبين ولادته سنون من الزمان والبشرى لا تطلق إلا على الإخبار بالجميل إذا كان مشرفا على الوقوع إلا إذا كانت هناك عناية خاصة وأما الإخبار بمطلق الجميل فهو وعد ونحو ذلك.
وثانيها أنه هل هناك بشرى بإسماعيل؟ والحق أن ما ذكرت من البشرى في صدر آيات الصافات إنما هي بشرى بإسماعيل وهي غير ما ذكرت في ذيل الآيات من البشرى بإسحاق صريحا فإن سياق الآيات في ذيل قوله:"فبشرناه بغلام حليم"ثم استيناف البشارة بإسحاق في قوله أخيرا:"و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين"لا يدع ريبا لمرتاب أن الغلام الحليم الذي بشر به أولا غير إسحاق الذي بشر به ثانيا ، وليس إلا إسماعيل.
وذكر الطبري في تاريخه أن المراد بالبشارة الأولى في هذه السورة أيضا البشارة بإسحاق قياسا على ذكر من البشارة في سائر السور ، وهو كما ترى.
وقد تقدم كلام في هذا المعنى في قصص إبراهيم (عليه السلام) في الجزء السابع من الكتاب.
وثالثها: البحث في القصة من جهة تطبيق ما في التوراة الحاضرة منها على ما استفيد من القرآن الكريم ، وسيوافيك ذلك عند الكلام على قصة لوط (عليه السلام) في ذيل الآيات التالية.
ورابعها: البحث فيها من جهة جدال إبراهيم الملائكة وقد وقع فيها مثل قوله:"يجادلنا في قوم لوط"وقوله:"يا إبراهيم أعرض عن هذا".
وقد تقدم أن سياق الآيات وخاصة قوله:"إن إبراهيم لحليم أواه منيب"لا يدل إلا على نعته بالجميل فلم يكن جداله إلا حرصا منه في نجاة عباد الله رجاء أن يهتدوا إلى صراط الإيمان.