فهرس الكتاب

الصفحة 2175 من 4314

و تفيد معنى الأخذ بالمتيقن.

وتقييد قوله:"هؤلاء بناتي"بقوله:"هن أطهر لكم"شاهد صدق على أنه إنما عرض لهم مسهن عن نكاح لا عن سفاح وحاشا مقام نبي الله عن ذلك ، وذلك لأن السفاح لا طهارة فيه أصلا وقد قال تعالى:"و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا:"إسراء: - 32 ، وقال:"و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن:"الأنعام: - 151 ، وقد تقدم في تفسير هذه الآية أن ما تتضمنه هو من الأحكام العامة المشرعة في جميع الشرائع الإلهية النازلة على أنبيائه.

ومن هنا يظهر فساد قول من يقول: إنه عرض عليهم بناته من غير تقييده بنكاح.

ولست أدري ما معنى علاج فحشاء بفحشاء غيرها؟ وما معنى قوله حينئذ:"فاتقوا الله"؟ ولو كان يريد دفع الفضيحة والعار عن نفسه فقط لاكتفى بقوله:"و لا تخزون في ضيفي".

وربما قيل: إن المراد بقوله:"هؤلاء بناتي"الإشارة إلى نساء القوم لأن النبي أبو أمته فنساؤهم بناته كما أن رجالهم بنوه ، يريد أن قصد الإناث وهو سبيل فطري خير لكم وأطهر من قصد الذكور من طريق الفحشاء.

وهو تحكم لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة ، وأما كونهم كفارا وبناته مسلمات ولا يجوز إنكاح المسلمة من الكافر فليس من المعلوم أن ذلك من شريعة إبراهيم حتى يتبعه لوط (عليه السلام) فمن الجائز أن يكون تزويج المؤمنة بالكافر جائزا في شرعه كما أنه كان جائزا في صدر الإسلام ، وقد زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنته من أبي العاص بن الربيع وهو كافر قبل الهجرة ثم نسخ ذلك.

على أن قولهم في جوابه:"لقد علمت ما لنا في بناتك من حق"لا يلائم كون المراد بالبنات في كلامه إنما هي نساؤهم لا بناته من صلبه فإنهم ما كانوا مؤمنين به حتى يعترفوا بكون نسائهم بناته إلا أن يكون المراد التهكم ولا قرينة عليه.

لا يقال تعبيره (عليه السلام) بالبنات وليس له عندئذ إلا بنتان يدل على أن مراده بناته من نساء أمته لا بنتاه غير الصادق عليه لفظ الجمع.

لأنا نقول: لا دليل على ذلك من كلامه تعالى ولا وقع ذلك في نقل يعتمد عليه ، نعم وقع في التوراة الحاضرة أنه كان للوط بنتان فقط.

ولا اعتماد على ما تتضمنه.

وقوله:"فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي"بيان للمطلوب ، وقوله:"و لا تخزون في ضيفي"عطف تفسيري لقوله:"فاتقوا الله"فإنه (عليه السلام) إنما كان يطلب منهم أن لا يتعرضوا لضيفه لتقوى الله لا لهوى نفسه وعصبية جاهلية منه ، ولم يكن عنده فرق بين ضيفه وغيرهم فيما كان يردعهم ، وقد وعظهم بالردع عن هذا الذنب الشنيع وألح على ذلك سنين متمادية.

وإنما علق الردع على معنى الضيافة وإضافة الضيف إلى نفسه وذكر الخزي الوارد عليه من التعرض لهم كل ذلك رجاء أن يهيج صفة الفتوة والكرامة فيهم ولذلك عقب ذلك بالاستغاثة والاستنصار بقوله:"أ ليس منكم رجل رشيد"لعله يجد فيهم ذا رشد إنساني فينتصر له وينجيه وضيوفه من أيدي أولئك الظالمين لكن القوم كانوا كما قال الله تعالى:"لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون:"الحجر: - 72 ولم يؤثر ذلك فيهم أثرا ولم ينتهوا عن قوله بل أجابوا بما أيأسوه به من أي إلحاح في ذلك.

قوله تعالى:"قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد"هذا جواب القوم عما دعاهم إليه لوط من النكاح المباح أجابوا بنفي أن يكون لهم في بناته من حق وأنه يعلم ذلك ويعلم ما هو بغيتهم في هذا الهجوم وما ذا يريدون.

وقد قيل في معنى نفيهم الحق: إن معناه ما لنا في بناتك من حاجة وما ليس للإنسان فيه حاجة فكأنه لا حق له فيه ففي الكلام نوع استعارة.

وقيل: إن المراد ليس لنا في بناتك من حق لأنا لا نتزوجهن ومن لم يتزوج بامرأة فلا حق له فيها فالمراد بنفي الحق نفي سببه وهو الازدواج.

وقيل: المراد بالحق هو الحظ والنصيب دون الحق الشرعي أو العرفي أي لا رغبة لنا فيهن لأنهن نساء ولا ميل لنا إليهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت