و الذي يجب الالتفات إليه أنهم لم يقولوا: ما لنا في بناتك من حق بل قالوا:"لقد علمت ما لنا في بناتك من حق"فلم يجيبوا عنه بذلك بل بعلمه بذلك وبين القولين فرق فالظاهر أنهم ذكروه بما كان يعلم من السنة القومية الجارية بينهم ، وهو المنع من التعرض لنساء الناس وخاصة بالقهر والغلبة أو ترك إتيان النساء بالمرة واستباحة التعرض للغلمان وقضاء الوطر منهم ، وقد كان لوط يردعهم عن سنتهم ذلك إذ يقول لهم:"إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء:"الأعراف: - 81"أ تأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم:"الشعراء: - 166"أ إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر:"العنكبوت: - 29 ، ولا شك أن السنة القومية الجارية على فعل شيء يثبت حقا فيه ، والجارية على تركه ينفي الحق.
وبالجملة هم يلفتون نظره (عليه السلام) إلى ما يعلم من انتفاء حقهم عن بناته بما هن نساء بحسب السنة القومية وما يعلم من إرادتهم في الهجوم على داره هذا ولعل هذا أحسن الوجوه ، وبعده الوجه الثالث.
قوله تعالى:"قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد""يقال: أوى إلى كذا يأوي أويا ومأوى أي انضم إليه ، وآواه إليه يؤويه إيواء أي ضمه إليه."
والركن هو ما يعتمد عليه البناء بعد الأساس.
الظاهر أنه لما وعظهم لوط (عليه السلام) بالأمر بتقوى الله وتهييج فتوتهم في حفظ موقعه ورعاية حرمته في عدم التعرض لضيفه بما يجلب إليه العار والخزي ، وقد قطع عذرهم بعرض بناته عليهم بالنكاح ثم استغاث بالاستنصار من أولي الرشد منهم رجاء أن يوجد فيهم رجل رشيد ينصره عليهم ويدفعهم عنه فلم يجبه أحد فيما سأل ولا انماز من بينهم ذو رشد ينصره ويدفع عنه بل أيأسوه بقولهم:"لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد"لم يبق له إلا أن يظهر ما به من البث والحزن في صورة التمني فتمنى أن يكون له منهم قوة يقوى به على دفع عتاتهم الظالمين - وهو الرجل الرشيد الذي كان يسأل عنه في استغاثته - أو يكون له ركن شديد وعشيرة منيعة ينضم إليهم فيدفعهم بهم.
فقوله:"لو أن لي بكم قوة"أي ليت لي قدرة بسببكم بانضمام رجل منكم رشيد إلي يقوم بنصرتي فأدفعكم به ، وقوله:"أو آوي إلى ركن شديد"أي أو كنت أنضم إلى ركن شديد أي عشيرة منيعة يمنعكم مني هذا ما يعطيه ظاهر السياق.
وقيل: إن معنى قوله:"لو أن لي بكم قوة"أتمنى أن يكون لي منعة وقدرة وجماعة أتقوى بها عليكم فأدفعكم عن أضيافي.
وفيه أن فيه تبديل قوله:"بكم"إلى قولنا: بهم عليكم.
وهو كما ترى.
وقيل: إن معنى"لو أن لي بكم قوة"لو قويت عليكم بنفسي.
وفيه أنه أبعد من لفظ الآية.
وقيل: إن الخطاب في الآية للأضياف دون القوم ، ومعنى الآية أنه قال لأضيافه: أتمنى أن يكون لي بسببكم قوة ألقاهم بها.
وفيه أن الانتقال من خطاب القوم إلى خطاب الأضياف ولا دليل من اللفظ ظاهرا يدل عليه إبهام وتعقيد من غير موجب ، وكلامه تعالى أجل من ذلك.
قوله تعالى:"قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك"إلى آخر الآية عدم وصولهم إليه كناية عن عدم قدرتهم على ما يريدون ، والمعنى لما بلغ الأمر هذا المبلغ قالت الملائكة مخاطبين للوط: إنا رسل ربك فأظهروا له أنهم ملائكة وعرفوه أنهم مرسلون من عند الله ، وطيبوا نفسه أن القوم لن يصلوا إليه ولن يقدروا أن يصيبوا منه ما يريدون فكان ما ذكره الله تعالى في موضع آخر من كلامه:"و لقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم:"القمر: - 37 ، فأذهب الله بأبصار الذين تابعوا على الشر وازدحموا على بابه فصاروا عميانا يتخبطون.
وقوله:"فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد"الإسراء والسري بالضم السير بالليل فيكون قوله:"بقطع من الليل"نوع توضيح له ، والباء للمصاحبة أو بمعنى في.
والقطع من الشيء طائفة منه وبعضه ، والالتفات افتعال من اللفت ، قال الراغب: يقال: لفته عن كذا صرفه عنه ، قال تعالى:"قالوا أ جئتنا لتلفتنا"أي تصرفنا ، ومنه التفت فلان إذا عدل عن قبله بوجهه ، وامرأة لفوت تلفت من زوجها إلى ولدها من غيره.
انتهى.