و القول دستور من الملائكة للوط (عليه السلام) إرشادا له إلى النجاة من العذاب النازل بالقوم صبيحة ليلتهم هاتيك ، وفيه معنى الاستعجال كما يشعر به قوله بعد:"إن موعدهم الصبح".
والمعنى أنا مرسلون لعذاب القوم وهلاكهم فانج أنت بنفسك وأهلك وسيروا أنت وأهلك بقطع من هذا الليل وأخرجوا من ديارهم فإنهم هالكون بعذاب الله صبيحة ليلتهم هذه ، ولا كثير وقت بينك وبين الصبح ولا ينظر أحدكم إلى وراء.
وما ذكره بعضهم أن المراد بالالتفات الالتفات إلى مال أو متاع في المدينة يأخذه معه أو الالتفات بمعنى التخلف عن السري مما لا يلتفت إليه.
وقوله:"إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم"ظاهر السياق أنه استثناء من قوله:"أهلك"لا من قوله:"أحد"وفي قوله:"إنه مصيبها ما أصابهم"بيان السبب لاستثنائها ، وقال تعالى في غير هذا الموضع:"إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين:"الحجر: - 60.
وقوله:"إن موعدهم الصبح أ ليس الصبح بقريب"أي موعد هلاكهم الصبح وهو صدر النهار بعد طلوع الفجر حين الشروق ، كما قال تعالى في موضع آخر:"فأخذتهم الصيحة مشرقين:"الحجر: - 73.
والجملة الأولى تعليل لقوله:"فأسر بأهلك بقطع من الليل"وفيه نوع استعجال كما تقدم ، ويؤكده قوله:"أ ليس الصبح بقريب"ومن الجائز أن يكون لوط (عليه السلام) يستعجلهم في عذاب القوم فيجيبوه بقولهم:"إن موعدهم الصبح أ ليس الصبح بقريب"أي إن من المقدر أن يهلكوا بالصبح وليس موعدا بعيدا أو يكون الجملة الأولى استعجالا من الملائكة ، والثانية تسلية منهم للوط في استعجاله.
ولم يذكر في الآيات ما هي الغاية لسراهم والمحل الذي يتوجهون إليه ، وقد قال تعالى في موضع آخر من كلامه:"فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون:"الحجر: - 65 ، وظاهره أن الملائكة لم يذكروا له المقصد وأحالوا ذلك إلى ما سيأتيه من الدلالة بالوحي الإلهي.
قوله تعالى:"فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك"ضمائر التأنيث الثلاث راجعة إلى أرض القوم أو القرية أو بلادهم المعلومة من السياق ، والسجيل على ما في المجمع ، بمعنى السجين وهو النار ، وقال الراغب: السجين حجر وطين مختلط ، وأصله فيما قيل فارسي معرب ، انتهى.
يشير إلى ما قيل إن أصله سنكك كل ، وقيل: إنه مأخوذ من السجل بمعنى الكتاب كأنها كتب فيها ما فيها من عمل الإهلاك ، وقيل: مأخوذ من أسجلت بمعنى أرسلت.
والظاهر أن الأصل في جميع هذه المعاني هو التركيب الفارسي المعرب المفيد معنى الحجر والطين ، والسجل بمعنى الكتاب أيضا منه فإنهم على ما قيل كانوا يكتبون على الحجر المعمول ثم توسع فسمي كل كتاب سجلا وإن كان من قرطاس ، والإسجال بمعنى الإرسال مأخوذ من ذلك.
والنضد هو النظم والترتيب ، والتسويم جعل الشيء ذا علامة من السيماء بمعنى العلامة.
والمعنى: ولما جاء أمرنا بالعذاب وهو أمره تعالى الملائكة بعذابهم وهو كلمة"كن"التي أشار إليها في قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له - كن:"يس: - 83 ، جعلنا عالي أرضهم وبلادهم سافلها بتقليبها عليهم وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود معلمة عند ربك وفي علمه ليس لها أن تخطىء هدفها الذي رميت لأجل إصابته.
وذكر بعضهم أن القلب وقع على بلادهم والإمطار بالسجيل عذب به الغائبون منهم.
وقيل: إن القرية هي التي أمطرت حين رفعها جبرئيل ليخسفها.
وقيل: إنما أمطرت عليهم الحجارة بعد ما قلبت قريتهم تغليظا في العقوبة.
والأقوال جميعا من التحكم من غير دليل من اللفظ.
وفي قوله تعالى في غير هذا الموضع:"فأخذتهم الصيحة مشرقين:"الحجر: - 73 ، فقد كان هناك قلب وصيحة وإمطار بالحجارة ومن الممكن أن يكون ذلك بحدوث بركان من البراكين بالقرب من بلادهم وتحدث به زلزلة في أرضهم وانفجار أرضي بصيحة توجب قلب مدنهم ، ويمطر البركان عليهم من قطعات الحجارة التي يثيرها ويرميها ، والله أعلم.