فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 4314

و النشأة الآخرة دار جزاء لا دار عمل فلا خبر هناك عن الاختيار الإنساني وليس هناك إلا الإنسان وعمله الذي أتى به وقد لزمه لزوما ضروريا ، وما يرتبط به العمل من الصحائف والأشهاد وربه الذي إليه يرجع الأمر وبيده الحكم الفصل فإذا دعي استجاب اضطرارا ، كما قال تعالى"يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له:"طه: 108 وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى الحق فلا يستجيبون ، وإذا تكلم عن سؤال لم يكن من سنخ التكلم الدنيوي الذي كان ناشئا عن اختياره وكاشفا عن أمر خبيء في نفسه فقد ختم على فمه ولا سبيل له إلى التكلم بما يريد ، وكيفما يريد ، قال تعالى:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون": يس: 65 ، وقال:"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون": المرسلات: 36 فإن العذر إنما يكون في الجزاء الذي فيه شوب اختيار ولتحققه إمكان وجود وعدم وأما العمل السيىء المفروغ منه والجزاء الذي تعقبه ضرورة فلا مجرى للعذر فيه ، قال تعالى:"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7 أي إن جزاءكم نفس عملكم الذي عملتموه ، ولا يتغير ذلك بعذر ولا تعلل وإنما كان يتغير لو كان جزاء دنيويا أمره بيد الحاكم المجازي يختار فيه ما يراه ويشاؤه.

وبالجملة: إذا تكلم هو عن سؤال كان تكلمه عن اضطرار إليه ومطابقا لما عنده من العمل الظاهر الذي لا ستر عليه هناك البتة ، ولو تكلم كذبا كان ذلك من قبيل ظهور الملكات كما تقدم وعملا من أعماله يظهر ظهورا لا كلاما يعد جوابا لسؤال فيختم على فيه ويستنطق سمعه وبصره وجلده ويده ورجله ويحضر العمل الذي عمله ويستشهد الأشهاد والله على كل شيء شهيد.

فقد تلخص من جميع ما قدمناه أن معنى قوله:"لا تكلم نفس إلا بإذنه"أن التكلم يومئذ ليس على وتيرة التكلم الدنيوي كشفا اختياريا عما في الضمير بحيث يمكن معه للمتكلم أن يصدق في كلامه أو يكذب فإن هذا التملك الاختياري الذي هو من لوازم دار العمل مرفوع هناك فلا اختيار للإنسان في تكلمه وإنما هو منوط بإذن الله ومشيئته ، وإن أحسنت التدبر وجدت أن مآل هذا الوجه أعني ارتفاع حكم الاختيار عن تكلم الإنسان وسائر أفعاله وإحاطة معنى الاضطرار بالجميع يومئذ يرجع إلى ما افتتحنا به الكلام أن خاصة هذا اليوم هي انكشاف حقائق الأشياء فيه ورجوع الغيب شهادة وعليك بإحكام التدبر في المعارف التي يلقنها الكلام الإلهي في المعاد فإنها معضلة عويصة عميقة.

وذكر بعضهم أن معنى قوله:"لا تكلم نفس إلا بإذنه"أنها لا تتكلم فيه إلا بالكلام الحسن المأذون فيه شرعا لأن الناس ملجئون هناك إلى ترك القبائح فلا يقع منهم قبيح وأما غير القبيح فهو مأذون فيه.

وفيه أنه تخصيص من غير مخصص فاليوم ليس بيوم عمل حتى يؤذن فيه في إتيان الفعل الحسن ولا يؤذن في القبيح ، والإلجاء الذي منشؤه كون الظرف ظرف جزاء لا عمل لا يفرق فيه بين العمل الحسن والقبيح مع كون كليهما اختياريين لأن الحسن والقبح إنما يعنون بهما الأفعال الاختيارية.

على أن الله تعالى يقول:"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون"ومن المعلوم أن الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شيء.

وقال آخرون: إن معنى الآية أنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة ووسيلة إلا بإذنه.

وهذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى:"يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن": طه: 109 وفيه أن ذلك تقييد من غير شاهد عليه ولو كان المراد ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: لا تكلم نفس عن نفس أو في نفس إلا بإذنه كما وقع في نظيره من قوله:"لا يملك نفس لنفس شيئا".

وقد تحصل مما قدمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتكلم يوم القيامة والآيات النافية له.

توضيحه: أن الآيات المتعرضة لمسألة التكلم فيه صنفان: صنف ينفي التكلم أو يثبته لأفراد الناس من غير استثناء كقوله:"لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان": الرحمن: 39 ، وقوله:"يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها": النحل: 111.

وصنف ينفي الكلام على أي نعت كان من صدق أو كذب كقوله:"هذا يوم لا ينطقون": المرسلات: 35 ، وقوله:"فما لنا من شافعين ولا صديق حميم": الشعراء: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت