فهرس الكتاب

الصفحة 2207 من 4314

و الصنف الأول يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن": النبأ: 38 والصنف الثاني يرتفع التنافي بين طرفيه بالآية المبحوث عنها:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه"لكن بالبناء على ما تقدم توضيحه في معنى إناطة التكلم بإذنه حتى يفيد أنهم ملجئون في ما تكلموا به مضطرون إلى ما يأذن الله سبحانه فيه ليس لهم أن يتكلموا بما يختارون ويريدون كما كان لهم ذلك في الدنيا ليكون ذلك مما يختص بيوم القيامة من الوصف.

وبذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب المنار في تفسيره حيث قال في تفسير الآية: ونفي الكلام في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى يفسر لنا الجمع بين الآيات النافية له مطلقا والمثبتة له مطلقا انتهى.

وقد ذكر قبله آيات فيها مثل قوله:"هذا يوم لا ينطقون"وقوله:"اليوم نختم على أفواههم الآية."

وذلك أنه - أولا - لم يفرق بين الصنفين من الآيات فأوهم ذلك أن نفي الكلام إلا بإذنه في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التنافي بين الآيات مطلقا ، وليس كذلك.

و- ثانيا - لم يبين معنى كون الكلام بإذنه تعالى فتوجه إليه إشكال تخصيص يوم القيامة في الآية بما لا يختص به.

وقد يجاب عن إشكال التنافي بوجه آخر وهو أن يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف ، ولم يؤذن لهم في الكلام في بعضها ، وقد ورد ذلك في بعض الروايات.

وهذا الجواب وإن كان بظاهره متميزا من الوجه السابق إلا أنه لا يستغني عن مسألة الإذن فهو في الحقيقة راجع إليه.

وقد يجاب بأن المراد بعدم التكلم والنطق أنهم لا ينطقون بحجة ، وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولو بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض ، وهذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام ولا يشتمل على حجة: ما تكلمت بشيء ولا نطقت بشيء فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه غير متكلم لأنه لم يأت بحق الكلام الذي كان من الواجب أن يشتمل على حجة فكأنه ليس بكلام فنفي التكلم ناظر إلى عد الكلام الذي لا جدوى فيه غير كلام ادعاء.

وفيه: أنه لو صح فإنما يصح في مثل قوله:"هذا يوم لا ينطقون"وأما مثل قوله:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه"فلا يرجع إلى معنى محصل.

وقد يجاب كما نقله الآلوسي عن الغرر والدرر للمرتضى أن يوم القيامة يوم طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه ، ويؤذن لهم في بعض آخر منه.

وفيه أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله ، وعلى قولهم يكون مثلا معنى قوله:"هذا يوم لا ينطقون"هذا يوم لا ينطقون في بعضه وهو خلاف الظاهر ، ويرد نظير الإشكال على الوجه الثاني الذي أجيب فيه عن الإشكال باختلاف المواقف فإن مرجع الوجهين أعني الوجه الثاني وهذا الوجه الرابع واحد وإنما الفرق أن الوجه الثاني يرفع التنافي باختلاف الأمكنة وهذا الوجه يرفعه باختلاف الأزمنة كما أن الوجه الثالث يرفعه باختلاف الكلام باشتماله على الجدوى وعدم اشتماله عليه.

وقد يجاب بما يظهر من قول بعضهم: أن الاستثناء في قوله:"لا تكلم نفس إلا بإذنه"منقطع لا متصل أي لا تتكلم نفس باقتدار من عندها إلا بإذنه تعالى ومحصل الوجه أن الممنوع من التكلم يوم القيامة هو الذي يكون بقدرة من الإنسان ، والجائز الواقع ما يكون بإذنه تعالى.

وفيه: أن تكلم الإنسان كسائر أفعاله الاختيارية ليس مستندا إلى قدرته محضا في وقت قط بل هو منسوب إلى قدرته مستمدا من قدرة الله تعالى وإذنه فكلما تكلم الإنسان أو فعل فعلا بقدرته صدر عنه ذلك عن قدرته بمصاحبة من إذن الله تعالى ويعود معنى الاستثناء حينئذ إلى إلغاء جميع الأسباب العاملة في التكلم يوم القيامة إلا واحدا منها هو إذنه تعالى ، ويصير الاستثناء متصلا ويرجع إلى ما قدمناه من الوجه أولا أن التكلم الممنوع هو الاختياري منه على حد التكلم الدنيوي ، والجائز ما كان مستندا إلى السبب الإلهي فقط وهو إذنه وإرادته ، والظرف ظرف الاضطرار والإلجاء لكنهم يرون أن سبب الإلجاء يوم القيامة مشاهدة أهواله فإن الناس ملجئون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار وقول الصدق واتباع الحق ، وقد قدمنا أن السبب في ذلك كون الظرف ظرف جزاء لا عمل وبروز الحقائق عند ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت