فهرس الكتاب

الصفحة 2208 من 4314

قوله تعالى:"فمنهم شقي وسعيد"السعادة والشقاوة متقابلان فسعادة كل شيء أن ينال ما لوجوده من الخير الذي يكمل بسببه ويلتذ به فهي في الإنسان - وهو مركب من روح وبدن - أن ينال الخير بحسب قواه البدنية والروحية فيتنعم به ويلتذ ، وشقاوته أن يفقد ذلك ويحرم منه ، فهما بحسب الاصطلاح من العدم والملكة ، والفرق بين السعادة والخير إن السعادة هي الخير الخاص بالنوع أو الشخص والخير أعم.

وظاهر قوله تعالى:"فمنهم شقي وسعيد"لا تفيد حصر أهل الجمع في الفريقين.

وهو الملائم ظاهرا لتقسيمه تعالى الناس إلى مؤمن وكافر ومستضعف كالأطفال والمجانين وكل من لم تتم عليه الحجة في الدنيا إلا أن الغرض المسرودة له الآيات ليس بيان أصناف الناس بحسب العمل والاستحقاق بل من حيث شأن هذا اليوم وهو أنه يوم مجموع له الناس ويوم مشهود لا يتخلف عنه أحد ، وأنه ينتهي إلى جنة أو نار.

والمستضعفون وإن كانوا صنفا ثالثا بالنسبة إلى من استحق بعمله الجنة ومن استحق بعمله النار لكن من الضروري أنهم لا يذهبون سدى ولا يدوم عليهم الحال بالإبهام والانتظار فهم بالآخرة ملحقون بإحدى الطائفتين: السعداء أو الأشقياء داخلون فيما دخلوا فيه من جنة أو نار ، قال تعالى:"و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم": التوبة: 106 ولازم هذا السياق أن ينحصر أهل الجمع في الفريقين: السعداء والأشقياء فما منهم إلا سعيد أو شقي.

فالآية نظير قوله تعالى في موضع آخر:"و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير": الشورى: 8 حيث إن الجملة"فريق في الجنة وفريق في السعير"بمعونة السياق تفيد الحصر وإن كانت وحدها بمعزل من الدلالة.

والذي تدل عليه الآية أن من كان هناك من أهل الجمع إما شقي متصف بالشقاء وإما سعيد متلبس بالسعادة وأما إن هذين الوصفين بما ذا ثبتا لموضوعيهما؟ وأنهما هل هما ذاتيان لموصوفيهما أو ثابتان بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها عنها أو يثبتان لهما عن اكتساب وعمل مع كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر إلى ذاتهما؟ فلا نظر في الآية إلى شيء من ذلك غير أن وقوع الآية في سياق الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح ، والندب إلى اختيار الطاعة وترك المعصية يدل على تيسير سبيل الوصول إلى السعادة كما قال تعالى:"ثم السبيل يسره": عبس: 20.

وبذلك يظهر فساد ما استفاده بعضهم من الآية من لزوم السعادة والشقاوة للإنسان من حكمه تعالى في الآية بذلك قال الرازي في تفسيره في ذيل الآية: اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد وعلى بعضهم بأنه شقي ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه.

وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا وعلمه جهلا ، وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا ، وإن الشقي لا ينقلب سعيدا.

قال: وروي عن عمر أنه قال: لما نزل قوله تعالى:"فمنهم شقي وسعيد"قلت: يا رسول الله فعلى ما ذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: على شيء قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار ولكن كل ميسر لما خلق له. قال وقالت المعتزلة: روي عن الحسن أنه قال: فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله. قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات.

وأيضا فلا نزاع أنه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا.

انتهى.

وهو من عجيب المغالطة أما الذي سماه دليلا قاطعا فقد غالط فيه بأخذ زمان الحكم زمانا لنتيجته وأثره فمن البديهي أن الحكم الحق الآن باتصاف موضوع ما بصفة في المستقبل لا يستلزم الاتصاف بها إلا في المستقبل لا في زمان الحكم القائم بالحاكم وهو الآن كما أن حكمنا في الليل بأن الهواء مضيء بعد كم ساعة - وهو حكم حق - لا يوجب إضاءة الهواء ليلا.

وحكمنا بأن الصبي سيصبح شيخا فانيا بعد ثمانين سنة ، لا يستدعي كونه شيخا فانيا في زمان الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت