فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 4314

و أما الاستثناء الذي في أهل الجنة فهو استثناء من خلودهم أيضا لأن من ينقل من النار إلى الجنة ويخلد فيها لا بد في الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدم من حاله فكأنه قال إنهم في الجنة خالدين فيها إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار.

قالوا والذين شقوا في هذا القول هم الذين سعدوا بأعيانهم وإنما أجري علهيم كل من الوصفين في الحال الذي يليق به ذلك فإذا أدخلوا في النار وعوقبوا فيها فهم أهل شقاء وإذا أدخلوا في الجنة وأثبتوا فيها فهم أهل سعادة ونسبوا هذا القول إلى ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري من الصحابة وجماعة من التابعين.

وفيه أنه لا يلائم السياق فإنه تعالى بعد ما ذكر في صفة يوم القيامة أنه يوم مجموع له الناس قسم أهل الجمع إلى قسمين بقوله فمنهم شقي وسعيد ومن المعلوم أن قوله فأما الذين شقوا إلخ وقوله وأما الذين سعدوا مبدوين بأما التفصيلية مسوقان لتفصيل ما أجمل في قوله فمنهم شقي وسعيد ولازم ذلك كون المراد بالذين شقوا جميع أهل النار لا طائفة منهم خاصة والمراد بالذين سعدوا جميع أصحاب الجنة لا خصوص من أخرج من النار وأدخل الجنة.

اللهم إلا أن يقال المراد بقوله فمنهم شقي وسعيد أيضا وصف طائفة خاصة بأعيانهم كما أن المراد بالذين شقوا والذين سعدوا طائفة واحدة بأعيانهم والمعنى أن بعض أهل الجمع شقي وسعيد معا وهم الذين أدخلوا النار واستقروا فيها خالدين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها ويدخلهم الجنة ويسعدهم بها فيخلدوا فيها ما دامت السماوات والأرض إلا مقدارا من الزمان كانوا فيه أشقياء ساكنين في النار قبل أن يدخلوا الجنة.

لكن ينتقل ما قدمناه من الإشكال حينئذ إلى ما ادعي من معنى قوله فمنهم شقي وسعيد فالسياق الظاهر في وصف أهل الجمع عامة لا يساعد على إرادة طائفة خاصة منهم بقوله فمنهم شقي وسعيد أولا ثم تفصيل حالهم بتفريقهم وهم جماعة واحدة بعينهم وإيرادهم في صورة موضوعين اثنين لحكمين مع تحديدين بدوام السماوات والأرض ثم استثناءين ليس المراد بهما إلا واحد وأي فائدة في هذا التفصيل دون أن يورث لبسا في المعنى وتعقيدا في النظم ويمكن أن يقرر هذا الوجه على وجه التعميم بأن يقال المراد بقوله فمنهم شقي وسعيد تقسيم عامة أهل الجمع إلى الشقي والسعيد والمراد بقوله الذين شقوا جميع أهل النار وبقوله الذين سعدوا جميع أصحاب الجنة ويكون المراد بالاستثناء في الموضعين استثناء حال الفساق من أهل التوحيد الذين يخرجهم الله تعالى من النار ويدخلهم الجنة وحينئذ يسلم من جل ما كان يرد على الوجه السابق من الإشكال.

وسابعها أن التعليق بالمشية إنما هو على سبيل التأكيد للخلود والتبعيد للخروج لأن الله سبحانه لا يشاء إلا خلودهم على ما حكم به فكأنه تعليق لما لا يكون بما لا يكون لأنه لا يشاء أن يخرجهم منها.

وهذا الوجه يشارك الوجه الأول في دعوى أن الاستثناء في الموردين غير مسوق لنقض الخلود غير أن الوجه الأول يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان إطلاق القدرة الإلهية وهذا الوجه يختص بدعوى أن الاستثناء لبيان أن الخلود لا ينتقض بسبب من الأسباب إلا أن يشاء الله انتقاضه ولن يشاء أصلا.

وهذا هو وجه الضعف فيه فإن قوله ولن يشاء أصلا لا دليل عليه هب أن قوله في أهل الجنة عطاء غير مجذوذ يشعر أو يدل على ذلك لكن قوله إن ربك فعال لما يريد لا يشعر به ولا يدل عليه لو لم يشعر بخلافه كما هو ظاهر.

وثامنها أن المراد به استثناء الزمان الذي سبق فيه طائفة من أهل النار دخولها قبل طائفة وكذا في الطوائف الذين يدخلون الجنة فإنه تعالى يقول وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا فالزمرة منهم يدخل بعد الزمرة ولا بد أن يقع بينهما تفاوت في الزمان وهو الذي يستثنيه تعالى بقوله إلا ما شاء ربك ونقل الوجه عن سلام بن المستنير البصري.

وفيه أن الظاهر من قوله:"ففي النار خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض"وكذا في قوله:"ففي الجنة خالدين"إلخ أن الوصف ناظر إلى مدة الكون في النار أو الجنة من جهة النهاية لا من جهة البداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت