فيكون الاستثناء مسوقا لإثبات قدرة الله المطلقة وإن قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة وسلطنته لا تنفد وملكه لا يزول ولا يبطل وإن الزمان بيده وقدرته وإحاطته باقية على ما كانت عليه قبل فله تعالى أن يخرجهم من الجنة وإن وعد لهم البقاء فيها دائما لكنه تعالى لا يخرجهم لمكان وعده والله لا يخلف الميعاد.
والكلام في الاستثناء الواقع في هذه الآية أعني آية النار نظيره في آية الجنة لوحدة السياق بالمقابلة والمحاذاة وإن اختتمت الآية بقوله إن ربك فعال لما يريد وفيه من الإشارة إلى التحقق ما لا يخفى.
فأهل الخلود في النار كأهل الخلود في الجنة لا يخرجون منها أبدا إلا أن يشاء الله سبحانه ذلك لأنه على كل شيء قدير ولا يوجب فعل من الأفعال إعطاء أو منع سلب قدرته على خلافه أو خروج الأمر من يده لأن قدرته مطلقة غير مقيدة بتقدير دون تقدير أو بأمر دون أمر قال تعالى ويفعل الله ما يشاء: إبراهيم - 27 وقال يمحوا الله ما يشاء ويثبت: الرعد - 39 إلى غير ذلك من الآيات.
ولا منافاة بين هذا الوجه وبين ما ورد في الأخبار من خروج بعض المجرمين منها بمشية الله كما لا يخفى.
هذا وجه في الاستثناء وهنا وجوه أخر أنهى الجميع في مجمع البيان ، إلى عشرة فليكن ما ذكرناه أولها.
وثانيهما أنه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار والزيادة من النعيم لأهل الجنة والتقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثنى من القليل وعلى هذا فيكون إلا بمعنى سوى أي سوى ما شاء ربك كما يقال ما كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد.
وفيه أنه مبني على عدم إفادة قوله ما دامت السماوات والأرض الدوام والأبدية وقد عرفت خلافه.
وثالثها أن الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر لأنهم ليسوا في جنة ولا نار ومدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة لأنه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا ولم يستثن لظن الظان أنهم يكونون في النار والجنة من لدن نزول الآية أو من بعد انقطاع التكليف فحصل للاستثناء فائدة.
فإن قيل كيف يستثنى من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها فالجواب أن ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل الدخول فيها.
وفيه أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ على أن هذا الوجه بظاهره مبني على إفادة قوله فمنهم شقي وسعيد الشقاوة والسعادة الجبريتين من غير اكتساب واختيار وقد عرفت ما فيه.
ورابعها أن الاستثناء الأول متصل بقوله لهم فيها زفير وشهيق وتقديره إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ولا يتعلق الاستثناء بالخلود وفي أهل الجنة متصل بما دل عليه الكلام فكأنه قال لهم فيها نعيم إلا ما شاء ربك من أنواع النعيم وإنما دل عليه قوله عطاء غير مجذوذ.
وفيه أنه قطع لاتصال السياق ووحدته من غير دليل وفيه أخذ إلا الأولى بمعنى سوى وإلا الثانية بمعنى الاستثناء على أنه لا قرينة هناك على تعلق إلا الأولى بقوله لهم فيها زفير وشهيق ولا أن قوله عطاء غير مجذوذ يدل على ما ذكره فإنه إنما يدل على دوام العطاء لا على جميع أنواع العطاء أو بعضها.
ثم أية فائدة في استثناء بعض أنواع النعيم وإظهار ذلك للسامعين والمقام مقام التطميع والتبشير والظرف ظرف الدعوة والترغيب فهذا من أسخف الوجوه.
وخامسها أن إلا بمعنى الواو وإلا كان الكلام متناقضا والمعنى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وما شاء ربك من الزيادة على ذلك.
وفيه أن كون إلا بمعنى الواو لم يثبت وإنما ذكره الفراء لكنهم ضعفوه على أن الوجه مبني على عدم إفادة التقدير والتحديد السابق على الاستثناء في الآيتين الدوام وقد عرفت ما فيه.
وسادسها أن المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل التوحيد وهم الذين ضموا إلى إيمانهم وطاعتهم ارتكاب معاص توجب دخول النار فأخبر سبحانه أنهم معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من إخراجهم منها إلى الجنة وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم.