على أن الله سبحانه يذكر عذاب أهل البرزخ بالعرض على النار لا بدخول النار قال تعالى:"و حاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب": المؤمن: 46.
الوجه السابع: أن المراد بدخول النار الدخول في ولاية الشيطان وبالكون في الجنة الكون في ولاية الله فإن ولاية الله هي التي تظهر جنة في الآخرة يتنعم فيها السعداء.
وولاية الشيطان هي التي تتصور بصورة النار فتعذب المجرمين يوم القيامة كما تفيده الآيات الدالة على تجسم الأعمال.
فالأشقياء بسبب شقائهم يدخلون النار وربما خرجوا منها إن أدركتهم العناية والتوفيق كالكافر يؤمن بعد كفره والمجرم يتوب عن إجرامه ، والسعداء يدخلون الجنة بسعادتهم وربما خرجوا منها إن أضلهم الشيطان وأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم كالمؤمن يرتد كافرا والصالح يعود طالحا.
وفيه: ما أوردناه على سابقه من كونه خلاف ما يظهر بمعونة السياق فإن الآيات تعد ما ليوم القيامة من الأوصاف الخالصة الهائلة المدهشة التي تذوب القلوب وتطير العقول باستماعها والتفكر فيها لتنذر به أولوا الاستكبار والجحود من الكفار ويرتدع به أهل المعاصي والذنوب.
فيستبعد أن يذكر فيها أنه يوم مجموع له الناس ويوم مشهود ويوم لا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه ثم يذكر أن الكفار وأهل المعاصي في نار منذ كفروا وأجرموا إلى يوم القيامة ، وأهل الإيمان والعمل الصالح في جنة منذ آمنوا وعملوا صالحا فإن هذا البيان لا يلائم السياق - أولا - من جهة أن الآيات تذكر أوصاف يوم القيامة الخاصة به لا ما قبله المنتهي إليه ، و- ثانيا - من جهة أن الآيات مسوقة للإنذار والتبشير ، وهؤلاء الكفار والمجرمون أهل الاستكبار والطغيان لا يعبئون بمثل هذه الحقائق المستورة عن حواسهم ، ولا يرون لها قيمة ، ولا ينتهون بالخوف من مثل هذه الشقاوة والرجاء لمثل هذه السعادة المعنوية وهو ظاهر ، نعم هو معنى صحيح في نفسه في باطن القرآن.
وهاهنا وجوه أخر يمكن أن تستفاد من مختلف أنظارهم في تفسير قوله تعالى:"إلا ما شاء ربك"طوينا ذكرها هاهنا إيثارا للاختصار لأنها تشترك مع الوجوه الآتية التي سنوردها في تفسير الجملة ، ما يرد عليها من الإشكال فنكتف بذلك.
وقوله تعالى:"إلا ما شاء ربك"استثناء مما سبقه من حديث الخلود في النار ، ونظيرتها الجملة الواقعة بعد ذكر الخلود في الجنة ، و"ما"في قوله:"ما شاء ربك"مصدرية والتقدير - على هذا - إلا أن يشاء ربك عدم خلودهم ولكن يضعفه قوله بعد:"إن ربك فعال لما يريد"فإن"ما"هاهنا موصولة ، والمراد بقوله"ما شاء"وقوله:"ما يريد"واحد.
وإما موصولة والاستثناء من مدة البقاء المحكوم بالدوام الذي يستفاد من السياق ، والمعنى هم خالدون في جميع الأزمنة المستقبلة المتتالية إلا ما شاء ربك من الزمان ، أو الاستثناء من ضمير الجمع المستتر في خالدين والمعنى هم جميعا خالدون فيها إلا من شاء الله أن يخرج منها ويدخل في الجنة فيكون تصديقا لما في الأخبار أن المذنبين والعصاة من المؤمنين لا يدومون في النار بل يخرجون منها ويدخلون الجنة بالآخرة للشفاعة ، فإن خروج البعض من النار كاف في انتفاض العموم وصحة الاستثناء.
ويبقى الكلام في إيقاع ما في قوله ما شاء على من يعقل ولا ضير فيه وإن لم يكن شائعا لوقوعه في كلامه تعالى كقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء: النساء - 3.
والكلام في الآية التالية وأما الذين سعدوا إلخ نظير الكلام في هذه الآية لاشتراكهما في السياق غير أن الاستثناء في آية الجنة يعقبه قوله عطاء غير مجذوذ ولازمه أن لا يكون الاستثناء مشيرا إلى تحقق الوقوع فإنه لا يلائم كون الجنة عطاء غير مقطوع بل مشيرا إلى إمكان الوقوع والمعنى أن أهل الجنة فيها أبدا إلا أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية وهم غير خارجين والله غير شاء ذلك أبدا.