وجه الاندفاع أن الآيات القرآنية إنما تتبع فهم أهل اللسان في مفاهيمها الكلية التي تعطيها اللغة والعرف ، وأما في مقاصدها وتشخيص المصاديق التي تجري عليها المفاهيم فلا ، بل السبيل المتبع فيها هو التدبر الذي أمر به الله سبحانه وإرجاع المتشابه إلى المحكم وعرض الآية على الآية فإن القرآن يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض ويصدق بعضه بعضا - كما في الروايات - فليس لنا إذا سمعناه تعالى يقول: إنه واحد أحد أو عالم قادر حي مريد سميع بصير أو غير ذلك أن نحملها على ما هو المتبادر عند العرف من المصاديق بل على ما يفسرها نفس كلامه تعالى ويكشفه التدبر البالغ من معانيها ، وقد استوفينا هذا البحث في الكلام على المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب.
وقد وردت في الروايات وفي كلمات المفسرين توجيهات أخرى للآية نورد منها ما عثرنا عليه وليكن الذي أوردناه أولها.
الوجه الثاني: أن المراد سماوات الجنة والنار وأرضهما أي ما يظلهما وما يقلهما فإن كل ما علاك وأظلك فهو سماء وما استقرت عليه قدمك فهو أرض ، وبعبارة أخرى المراد بهما ما هو فوقهما وما تحتهما.
وهذا هو الوجه الذي ذكره الزمخشري في آخر ما نقلناه من كلامه آنفا ، وقد عرفت الإشكال فيه.
على أن هذا الوجه لا يفي لبيان السبب في إيراد السماوات في الآية بلفظ الجمع كما تقدم.
الوجه الثالث: أن المراد ما دامت الآخرة وهي دائمة أبدا كما أن دوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بقائها ، ولعل المراد أن قوله:"ما دامت السماوات والأرض"موضوع وضع التشبيه كقولك: كلمته تكليم المستهزىء الهازىء به أي مثل تكليم من يستهزىء ويهزأ به.
وفيه: أنه لو أريد بذلك التشبيه كما ذكرناه أفاد خلاف المقصود أعني الانقطاع ، ولو أريد غير ذلك لم يف بذلك اللفظ.
الوجه الرابع: أن المراد به التبعيد وإفادة الأبدية لا أن المراد به التحديد بمدة بقاء السماوات والأرض بعينها فإن للعرب ألفاظا كثيرة يستخدمونها في إفادة التأبيد من غير أن يريدوا بها المعاني التي تحت تلك الألفاظ كقولهم: الأمر كذا وكذا ما اختلف الليل والنهار ، وما ذر شارق ، وما طلع نجم ، وما هبت نسيم ، وما دامت السماوات وقد استراحوا إليها وإلى أشباهها ظنا منهم أن هذه الأشياء دائمة باقية لا تبيد أبدا ثم استعملوها كأنها موضوعة للتبعيد.
وفيه: أنهم إنما استعملوها في التأبيد وأكثروا منه ظنا منهم أن هذه الأمور دائمة مؤبدة ، وأما من يصرح في كلامه بأنها مؤجلة الوجود منقطعة فانية ويعد الإيمان بذلك إحدى فرائض النفوس فلا يحسن منه وضعها في الكلام موضع التأبيد بأي صورة تصورت.
كيف لا؟ وقد قال تعالى:"ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 وكيف يصح مع ذلك أن يقال: إن الجنة والنار خالدتان أبدا ما دامت السماوات والأرض.
الوجه الخامس: أن يكون المراد أنهم خالدون بمدة بقاء السماوات والأرض التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم الله سبحانه على ذلك ، ويخلدهم ويؤبد مقامهم ، وهذا مثل أن يقال: هم خالدون كذا وكذا سنة ، ثم يضيف تعالى إلى ذلك ما لا يتناهى من الزمان كما يقال في قوله تعالى:"لابثين فيها أحقابا": النبأ: 23 أي أحقابا ثم يزادون على ذلك.
وفيه: أنه على الظاهر مبني على استفادة بعض المدة من قوله:"ما دامت السماوات والأرض"والبعض الآخر الذي لا يتناهى من قوله:"إلا ما شاء ربك"ودلالته على ذلك تتوقف على تقدير أمور لا دلالة عليه من اللفظ أصلا.
الوجه السادس: أن المراد بالنار والجنة نار البرزخ وجنتها وهما خالدتان ما دامت السماوات والأرض ، وإذا انتهت مدة بقاء السماوات والأرض بقيام القيامة خرجوا منها لفصل القضاء في عرصات المحشر.
وفيه: أنه خلاف سياق الآيات فإن الآيات تفتتح بذكر يوم القيامة وتوصيفها بما له من الأوصاف ، ومن المستبعد أن يشرع في البيان بذكر أنه يوم مجموع له الناس ، وأنه يوم مشهود ، وأنه يوم إذا أتى لا تكلم نفس إلا بإذنه حتى إذا اتصل بأخص أوصافه وأوضحها وهو الجزاء بالجنة والنار الخالدتين عدل إلى ذكر ما في البرزخ من الجنة والنار الخالدتين إلى ظهور يوم القيامة المنقطعتين به.