فهرس الكتاب

الصفحة 2211 من 4314

و من الآيات الناصة على الأول قوله تعالى:"ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3 ، وقوله:"يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين": الأنبياء: 104 ، وقوله:"و السماوات مطويات بيمينه": الزمر: 67 ، وقوله:"إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا": الواقعة: 6.

ومنها في النص على الثاني قوله تعالى:"جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا": التغابن: 9 ، وقوله:"و أعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا": الأحزاب: 65.

وعلى هذا يشكل الأمر في الآيتين من جهتين: إحداهما تحديد الخلود المؤبد بمدة دوام السماوات والأرض وهما غير مؤبدتين لما مر من الآيات.

وثانيتهما تحديد الأمر الخالد الذي تبتدىء من يوم القيامة وهو كون الفريقين في الجنة والنار واستقرارهما فيهما ، بما ينتهي أمد وجوده إلى يوم القيامة وهو السماوات والأرض ، وهذا الإشكال الثاني أصعب من الأول لأنه وارد حتى على من لا يرى الخلود في النار أو في الجنة والنار معا بخلاف الأول.

والذي يحسم الإشكال أنه تعالى يذكر في كلامه أن في الآخرة أرضا وسماوات وإن كانت غير ما في الدنيا بوجه ، قال تعالى:"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: 48 ، وقال حاكيا عن أهل الجنة:"و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء": الزمر: 74 ، وقال يعد المؤمنين ويصفهم:"أولئك لهم عقبى الدار": الرعد: 22.

فللآخرة سماوات وأرض كما أن فيها جنة ونارا ولهما أهلا وقد وصف الله سبحانه الجميع بأنها عنده ، وقال:"ما عندكم ينفد وما عند الله باق": النحل: 96 فحكم بأنها باقية غير فانية.

وتحديد بقاء الجنة والنار وأهلهما بمدة دوام السماوات والأرض إنما هو من جهة أن السماوات والأرض مطلقا ومن حيث أنهما سماوات وأرض مؤبدة غير فانية ، وإنما تفنى هذه السماوات والأرض التي في هذه الدنيا على النظام المشهود وأما السماوات التي تظل الجنة مثلا والأرض التي تقلها وقد أشرقت بنور ربها فهي ثابتة غير زائلة فالعالم لا تخلو منهما قط ، وبذلك يندفع الإشكالان جميعا.

وقد أشار في الكشاف إلى هذا الوجه إجمالا حيث قال:"و الدليل على أن لها سماوات وأرضا قوله سبحانه:"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات"وقوله سبحانه:"و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء"ولأنه لا بد لأرض الآخرة مما تقلهم وتظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى أو يظلهم العرش ، وكل ما أظلك فهو سماء"انتهى.

وإن كان الوجه الذي أشار إليه ثانيا سخيفا لأنه إثبات للسماء والأرض من جهة الإضافة وأن الجنة والنار لا بد أن يتصور لهما فوق وتحت فيكون الجنة والنار أصلا وسماؤهما وأرضهما تبعين لهما في الوجود ، ولازمه تحديد بقاء سمائهما وأرضهما بمدة دوامها لا بالعكس كما فعل في الآية.

على أن لازم هذا الوجه لزوم أن يتحقق للجنة والنار أرض وسماء وأما السماوات بلفظ الجمع كما في الآية فلا ، فيبقى الإشكال في السماوات على حاله.

وبما تقدم يندفع أيضا ما أورده عليه القاضي في تفسيره حيث قال: وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه.

انتهى.

ومراده أن الآية تشبه دوام الجنة والنار بأهلهما بدوام السماوات والأرض فلو كان المراد بهما سماوات الآخرة وأرضها ولا يعرف أكثر الخلق وجودها ودوامها كان ذلك من تشبيه الأجلى بالأخفى وهو غير جائز في الكلام البليغ.

وجوابه: أنا إنما عرفنا دوام الجنة والنار بأهلهما من كلامه تعالى كما عرفنا وجود سماوات وأرض لهما وكذا أبدية الجميع من كلامه فأي مانع من تحديد إحدى حقيقتين مكشوفتين من كلامه من حيث البقاء بالأخرى في كلامه ، وإن كانت إحدى الحقيقتين أعرف عند الناس من الأخرى بعد ما كانت كلتاهما مأخوذتين من كلامه لا من خارج.

ويندفع به أيضا ما ذكره الآلوسي في ذيل هذا البحث أن المتبادر من السماوات والأرض هذه الأجرام المعهود عندنا فالأولى أن يلتمس هناك وجه آخر غير هذا الوجه انتهى ملخصا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت