فهرس الكتاب

الصفحة 2210 من 4314

و بتقرير آخر واضح تعلق علمه تعالى مثلا بأن خشبة كذا ستحرق بالنار يوجب وجوب تحقق الاحتراق المقيد بالنار لأنه الذي تعلق به العلم الحق لا وجوب تحقق الاحتراق مطلقا سواء كانت هناك نار أو لم تكن إذ لم يتحقق علم بهذه الصفة ، وكذا علمه تعالى بأن الإنسان سيعمل باختياره وإرادته عملا أو أنه سيشقى لعمل اختياري كذا يوجب وجوب تحقق العمل من طريق اختيار الإنسان لا وجوب تحقق عمل كذا سواء كان هناك اختيار أو لم يكن وسواء كان هناك إنسان أو لم يكن حتى تنقطع به رابطة التأثير بين الإنسان وعمله ، ونظيره علمه بأن إنسانا كذا سيشقى بكفره اختياريا يستوجب تحقق الشقوة التي عن الكفر دون الشقوة مطلقة سواء كان هناك كفر أو لا.

فاتضح أن علمه تعالى بعمل الإنسان لا يستوجب بطلان الاختيار وثبوت الإجبار وإن كان معلومه تعالى لا يتخلف عن علمه له الحكم لا معقب لحكمه.

قوله تعالى:"فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق"قال في المجمع ، الزفير أول نهاق الحمار والشهيق آخر نهاقه انتهى.

وقال في الكشاف ،: الزفير إخراج النفس والشهيق رده انتهى.

وقال الراغب في المفردات ، الزفير تردد النفس حتى ينتفخ الضلوع منه.

وقال: الشهيق طول الزفير وهو رده والزفير مده ، قال تعالى:"لهم فيها زفير وشهيق""سمعوا لها تغيظا وزفيرا"وقال تعالى:"سمعوا لها شهيقا"وأصله من جبل شاهق أي متناهي الطول.

انتهى.

والمعاني - كما ترى - متقاربة وكان في الكلام استعارة ، والمراد أنهم يردون أنفاسهم إلى صدورهم ثم يخرجونها فيمدونها برفع الصوت بالبكاء والأنين من شدة حر النار وعظم الكربة والمصيبة كما يفعل الحمار ذلك عند نهيقه.

وكان الظاهر من سياق قوله:"فمنهم شقي وسعيد"أن يقال بعده: فأما الذي شقي ففي النار له فيها زفير وشهيق"إلخ"لكن السياق السابق عليه الذي افتتح به وصف يوم القيامة أعني قوله:"ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود"مبني على الكثرة والجماعة ، ومقتضاها المضي على هيئة الجمع: الذين شقوا والذين سعدوا ، وإنما عبر بقوله ، شقي وسعيد لما قيل قبله:"لا تكلم نفس"فاختير المفرد المنكر ليفيد النفي بذلك الاستغراق والعموم فلما حصل الغرض بقوله:"لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد"عاد السياق السابق المبني على الكثرة والجماعة فقيل:"فأما الذين شقوا"بلفظ الجمع إلى آخر الآيات الثلاث.

قوله تعالى:"خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد".

بيان لمكث أهل النار فيها كما أن الآية التالية:"و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ"بيان لمكث أهل الجنة فيها وتأييد لاستقرارهم في مأواهم.

قال الراغب في المفردات: الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التي هو عليها ، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد يصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي: خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها يقال خلد يخلد خلودا قال تعالى:"لعلكم تخلدون"والخلد - بالفتح فالسكون - اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيا استحالة سائر أجزائه ، وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة ، ومنه قيل: رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب ، ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها ثم استعير للمبقي دائما.

والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها قال تعالى:"أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون""أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون""و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها".

وقوله تعالى:"يطوف عليهم ولدان مخلدون"قيل: مبقون بحالتهم لا يعتريهم الفساد ، وقيل: مقرطون بخلدة ، والخلدة ضرب من القرطة ، وإخلاد الشيء جعله مبقى والحكم عليه بكونه مبقى ، وعلى هذا قوله سبحانه:"و لكنه أخلد إلى الأرض"أي ركن إليها ظانا أنه يخلد فيها.

انتهى.

وقوله:"ما دامت السماوات والأرض"نوع من التقييد يفيد تأكيد الخلود والمعنى دائمين فيها دوام السماوات والأرض لكن الآيات القرآنية ناصة على أن السماوات والأرض لا تدوم دوام الأبد وهي مع ذلك ناصة على بقاء الجنة والنار بقاء لا إلى فناء وزوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت