فهرس الكتاب

الصفحة 2222 من 4314

قوله تعالى:"و لقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب"لما كانت هذه الآيات مسوقة للاعتبار بالقصص المذكورة في السورة ، وكانت القصص نفسها سردت ليتعظ بها القوم ويقضوا بالحق في اتخاذهم شركاء لله سبحانه ، وتكذيبهم بآيات الله ورمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى.

تعرض في هذه الآيات - المسوقة للاعتبار - لأمر اتخاذهم الآلهة وتكذيب القرآن فذكر تعالى أن عبادة القوم للشركاء كعبادة أسلافهم من الأمم الماضية لها وسينالهم العذاب كما نال أسلافهم وإن اختلافهم في كتاب الله كاختلاف أمة موسى (عليه السلام) فيما آتاه الله من الكتاب وأن الله سيقضي بينهم فيما اختلفوا فيه ، فقوله:"و لقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه"إشارة إلى اختلاف اليهود في التوراة بعد موسى.

وقوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم"كرر سبحانه في كتابه ذكر أن اختلاف الناس في أمر الدنيا أمر فطروا عليها لكن اختلافهم في أمر الدين لا منشأ له إلا البغي بعد ما جاءهم العلم ، قال تعالى:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا": يونس: 19 وقال:"و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم": آل عمران: 19 ، وقال:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم": البقرة: 213.

وقد قضى الله سبحانه أن يوفي الناس أجر ما عملوه وجزاء ما اكتسبوه ، وكان مقتضاه أن يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه حينما اختلفوا لكنه تعالى قضى قضاء آخر أن يمتعهم في الأرض إلى يوم القيامة ليعمروا به الدنيا ، ويكتسبوا في دنياهم لأخراهم كما قال:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36 ، ومقتضى هذين القضاءين أن يؤخر القضاء بين المختلفين في دين الله وكتابه بغيا ، إلى يوم القيامة.

فإن قلت: فما بال الأمم الماضية أهلكهم الله لظلمهم فهلا أخرهم إلى يوم القيامة لكلمة سبقت منه.

قلت: ليس منشأ إهلاكهم كفرهم ولا معاصيهم وبالجملة مجرد اختلافهم في أمر الدين حتى يعارضه القضاء الآخر ويؤخره إلى يوم القيامة ، بل قضاء آخر ثالث يشير إليه قوله سبحانه:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون": يونس: 47.

وبالجملة قوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم"يشير إلى أن اختلاف الناس في الكتاب ملتقى قضاءين من الله سبحانه يقتضي أحدهما الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ويقتضي الآخر أن يمتعهم الله إلى يوم القيامة فلا يجازيهم بأعمالهم ، ومقتضى ذلك كله أن يتأخر عذابهم إلى يوم القيامة.

وقوله:"و إنهم لفي شك منه مريب"الإرابة إلقاء الشك في القلب ، فتوصيف الشك بالمريب من قبيل قوله:"ظلا ظليلا"و"حجابا مستورا"و"حجرا محجورا"وغير ذلك ، ويفيد تأكدا لمعنى الشك.

والظاهر أن مرجع الضمير في قوله:"و إنهم"أمة موسى وهم اليهود ، وحق لهم أن يشكوا فيه فإن سند التوراة الحاضرة ينتهي إلى ما كتبه لهم رجل من كهنتهم يسمى عزراء عند ما أرادوا أن يرجعوا من بابل بعد انقضاء السبي إلى الأرض المقدسة ، وقد أحرقت التوراة قبل ذلك بسنين عند إحراق الهيكل فانتهاء سندها إلى واحد يوجب الريب فيها طبعا ونظيرها الإنجيل من جهة سنده.

على أن التوراة الحاضرة يوجد فيها أشياء لا ترضى الفطرة الإنسانية أن تنسبها إلى كتاب سماوي ومقتضاه الشك فيها.

وأما إرجاع الضمير في قوله:"و إنهم"إلى مشركي العرب ، وفي قوله:"منه"إلى القرآن كما فعله بعض المفسرين فبعيد من الصواب لأن الله سبحانه قد أتم الحجة عليهم في صدر السورة أنه كتابه المنزل من عنده على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحدى بمثل قوله:"قل فأتوا بعشر سور من مثله مفتريات"ولا معنى مع ذلك لإسناد شك إليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت