قوله تعالى:"و إن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير"لفظة إن هي المشبهة بالفعل واسمها قوله:"كلا"منونا مقطوعا عن الإضافة والتقدير كلهم أي المختلفين ، وخبرها قوله:"ليوفينهم"واللام والنون لتأكيد الخبر ، وقوله:"لما"مؤلف من لام تدل على القسم وما مشددة تفصل بين اللامين ، وتفيد مع ذلك تأكيدا ، وجواب القسم محذوف يدل عليه خبر إن.
والمعنى - والله أعلم - وإن كل هؤلاء المختلفين أقسم ليوفينهم ويعطينهم ربك أعمالهم أي جزاءها أنه بما يعملون من أعمال الخير والشر خبير.
ونقل في روح المعاني ، عن أبي حيان عن ابن الحاجب أن"لما"في الآية هي لما الجازمة وحذف مدخولها شائع في الاستعمال يقال: خرجت ولما ، وسافرت ولما.
ثم قال: والأولى على هذا أن يقدر: لما يوفوها أي وإن كلا منها لما يوفوا أعمالهم ليوفينهم ربك إياها.
وهذا وجه وجيه.
ولأهل التفسير في مفردات الآية ونظمها أبحاث أدبية طويلة لا يهمنا منها أزيد مما أوردناه ، ومن شاء الوقوف عليها فليراجع مطولات التفاسير.
قوله تعالى:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير"يقال: قام كذا وثبت وركز بمعنى واحد كما ذكره الراغب وغيره ، والظاهر أن الأصل المأخوذ به في ذلك قيام الإنسان وذلك أن الإنسان في سائر حالاته وأوضاعه غير القيام كالقعود والانبطاح والجثو والاستلقاء والانكباب لا يقوى على جميع ما يرومه من الأعمال كالقبض والبسط والأخذ والرد وسائر ما الإنسان مهيمن عليه بالطبع لكنه إذا قام على ساقه قياما كان على أعدل حالاته الذي يسلطه على عامة أعماله من ثبات وحركة وأخذ ورد وإعطاء ومنع وجلب ودفع ، وثبت مهيمنا على ما عنده من القوى وأفعالها ، فقيام الإنسان يمثل شخصيته الإنسانية بما له من الشئون.
ثم استعير في كل شيء لأعدل حالاته الذي يسلط معه على آثاره وأعماله فقيام العمود أن يثبت على طوله وقيام الشجر أن يركز على ساقه متعرقا بأصله في الأرض ، وقيام الإناء المحتوي على مائع أن يقف على قاعدته فلا يهراق ما فيه وقيام العدل أن ينبسط على الأرض ، وقيام السنة والقانون أن تجري في البلاد.
والإقامة جعل الشيء قائما أي جعله بحال يترتب عليه جميع آثاره بحيث لا يفقد شيئا منها كإقامة العدل وإقامة السنة وإقامة الصلاة وإقامة الشهادة ، وإقامة الحدود ، وإقامة الدين ونحو ذلك.
والاستقامة طلب القيام من الشيء واستدعاء ظهور عامة آثاره ومنافعه فاستقامة الطريق اتصافه بما يقصد من الطريق كالاستواء والوضوح وعدم إضلاله من ركبه ، واستقامة الإنسان في أمر أن يطلب من نفسه القيام به وإصلاحه بحيث لا يتطرق إليه فساد ولا نقص ، ويأتي تاما كاملا ، قال تعالى:"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه": حم السجدة: 6 أي قوموا بحق توحيده في ألوهيته ، وقال:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا": حم السجدة: 30 أي ثبتوا على ما قالوا في جميع شئون حياتهم لا يركنون في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم إلا إلى ما يوافق التوحيد ويلائمه أي يراعونه ويحفظونه في عامة ما يواجههم في باطنهم وظاهرهم.
وقال:"فأقم وجهك للدين حنيفا": الروم: 30 فإن المراد بإقامة الوجه إقامة النفس من حيث تستقبل العمل وتواجهه ، وإقامة الإنسان نفسه في أمر هي استقامته فيه فافهم.
فقوله:"فاستقم كما أمرت"أي كن ثابتا على الدين موفيا حقه طبق ما أمرت بالاستقامة ، وقد أمر به في قوله:"و أن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين": يونس: 105 ، وقوله:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون": الروم: 30.
قال في روح المعاني ،: أمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بوحي آخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد ، والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة ، وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط ، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق.
انتهى.