فهرس الكتاب

الصفحة 2224 من 4314

أما احتماله أن يكون هناك وحي آخر غير متلو يشير إليه قوله تعالى:"كما أمرت"أي استقم كما أمرت سابقا بالاستقامة فبعيد عن سنة القرآن وحاشا أن يعتمد بالبيان القرآني على أمر مجهول أو أصل مستور غير مذكور ، وقد عرفت أن الإشارة بذلك على ما أمره الله به من إقامة وجهه للدين حنيفا ، وإقامة الوجه للدين هو الاستقامة في الدين ، وقد ورد قوله:"أقم وجهك للدين"- كما عرفت - في سورتين كلتاهما مكيتان ، وسورة يونس التي هي إحداهما نازلة قبل هذه السورة قطعا وإن لم يسلم ذلك في السورة الأخرى التي هي سورة الروم.

وأما قوله:"إن المراد بقوله:"استقم"الدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم المتوسط بين الإفراط والتفريط فقد عرفت أن معنى استقامة الإنسان في أمر ثبوته على حفظه وتوفية حقه بتمامه وكماله ، واستقامة الإنسان مطلقا ركوزه وثبوته لما يرد عليه من الوظائف بتمام قواه وأركانه بحيث لا يترك شيئا من قدرته واستطاعته لغى لا أثر له."

ولو كان المراد بالأمر بالاستقامة هو الأمر بلزوم الاعتدال بين الإفراط والتفريط لكان الأنسب أن يردف هذا الأمر بالنهي عن الإفراط والتفريط معا مع أنه تعالى عقبه بقوله:"و لا تطغوا"فنهى عن الإفراط فقط ، وهو بمنزلة عطف التفسير لقوله:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك"وهذا أحسن شاهد على أن المراد بقوله:"فاستقم"إلخ الأمر بإظهار الثبات على العبودية ولزوم القيام بحقها ، ثم نهى عن تعدي هذا الطور والاستكبار عن الخضوع لله والخروج بذلك عن زي العبودية فقيل:"و لا تطغوا"كما فعل ذلك الأمم الماضية ، ولم يكونوا مبتلين إلا بالإفراط دون التفريط والاستكبار دون التذلل.

وقوله:"و من تاب معك"عطف على الضمير المستكن في"استقم"أي استقم أنت ومن تاب معك أي استقيموا جميعا وإنما أخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بينهم وأفرده بالذكر معهم تشريفا لمقام النبوة ، وعلى ذلك تجري سنته تعالى في كلامه كقوله تعالى:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون": البقرة: 285 وقوله:"يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه": التحريم: 8.

على أن الأمر الذي تقيد به قوله:"فاستقم"أعني قوله:"كما أمرت"يختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يشاركه فيه غيره فإن ما ذكر من مثل قوله:"فأقم وجهك للدين""إلخ"خاص به فلو قيل: فاستقيموا لم يصح تقييده بالأمر السابق.

والمراد بمن تاب مع النبي المؤمنون الذين رجعوا إلى الله بالإيمان وإطلاق التوبة على أصل الإيمان - وهو رجوع من الشرك - كثير الورود في القرآن كقوله تعالى:"و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك": المؤمن: 7 إلى غير ذلك.

وقوله:"و لا تطغوا"أي لا تتجاوزوا حدكم الذي خطته لكم الفطرة والخلقة وهو العبودية لله وحده كما تجاوزه الذين قبلكم فأفضاهم إلى الشرك وساقهم إلى الهلكة ، والظاهر أن الطغيان بهذا المعنى مأخوذ من طغى الماء إذا جاوز حده ، ثم استعير لهذا الأمر المعنوي الذي هو طغيان الإنسان في حياته لتشابه الأثر وهو الفساد.

وقوله:"إنه بما تعملون بصير"تعليل لمضمون ما تقدمه ، ومعنى الآية اثبت على دين التوحيد والزم طريق العبودية من غير تزلزل وتذبذب ، وليثبت الذين آمنوا معك ، ولا تتعدوا الحد الذي حد لكم لأن الله بصير بما تعملون فيؤاخذكم لو خالفتم أمره.

وفي الآية الكريمة من لحن التشديد ما لا يخفى فلا يحس فيها بشيء من آثار الرحمة وأمارات الملاطفة وقد تقدمها من الآيات ما يتضمن من حديث مؤاخذة الأمم الماضية والقرون الخالية بأعمالهم واستغناء الله سبحانه عنهم ما تصعق له النفوس وتطير القلوب.

غير ما في قوله:"فاستقم كما أمرت"من أفراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذكر وإخراجه من بين المؤمنين تشريفا لمقامه لكن ذلك يفيد بلوغ التشديد في حقه فإن تخصيصه قبلا بالذكر يوجب توجه هول الخطاب وروع التكليم من مقام العزة والكبرياء إليه وحده عدل ما يتوجه إلى جميع الأمة إلى يوم القيامة كما وقع نظير التشديد في قوله تعالى:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة": إسراء: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت