و لذلك ذكر أكثر المفسرين أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"شيبتني سورة هود"ناظر إلى هذه الآية ، وسيوافيك الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون"قال في الصحاح ،: ركن إليه كنصر ، ركونا: مال وسكن ، والركن بالضم الجانب الأقوى.
والأمر العظيم والعز والمنعة انتهى وعن لسان العرب ، مثله ، وعن المصباح ، أن الركون هو الاعتماد على الشيء.
وقال الراغب: ، ركن الشيء جانبه الذي يسكن إليه ، ويستعار للقوة ، قال تعالى:"لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد"وركنت إلى فلان أركن بالفتح والصحيح أن يقال: ركن يركن - كنصر - وركن يركن كعلم - قال تعالى:"و لا تركنوا إلى الذين ظلموا"وناقة مركنة الضرع له أركان تعظمه والمركن الإجابة ، وأركان العبادات جوانبها التي عليها مبناها ، وبتركها بطلانها.
انتهى وهذا قريب مما ذكره في المصباح ، .
والحق أنه الاعتماد على الشيء عن ميل إليه لا مجرد الاعتماد فحسب ولذلك عدي بإلى لا بعلى وما ذكره أهل اللغة تفسير له بالأعم من معناه على ما هو دأبهم.
فالركون إلى الذين ظلموا هو نوع اعتماد عليهم عن ميل إليهم إما في نفس الدين كأن يذكر بعض حقائقه بحيث ينتفعون به أو يغمض عن بعض حقائقه التي يضرهم إفشاؤها وإما في حياة دينية كان يسمح لهم بنوع من المداخلة في إدارة أمور المجتمع الديني بولاية الأمور العامة أو المودة التي تقضي إلى المخالطة والتأثير في شئون المجتمع أو الفرد الحيوية.
وبالجملة الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا بنوع من الاعتماد والاتكاء يخرج الدين أو الحياة الدينية عن الاستقلال في التأثير ويغيرهما عن الوجهة الخالصة ، ولازم ذلك السلوك إلى الحق من طريق الباطل أو إحياء حق بإحياء باطل وبالآخرة إماتة الحق لإحيائه.
والدليل على هذا الذي ذكرنا أنه تعالى جمع في خطابه في هذه الآية الذي هو من تتمة الخطاب في الآية السابقة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المؤمنين من أمته ، والشئون التي له ولأمته هي المعارف الدينية والأخلاق والسنن الإسلامية في تبليغها وحفظها وإجرائها والحياة الاجتماعية بما يطابقها ، وولاية أمور المجتمع الإسلامي ، وانتحال الفرد بالدين واستنانه بسنة الحياة الدينية فليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لأمته أن يركنوا في شيء من ذلك إلى الذين ظلموا.
على أن من المعلوم أن هاتين الآيتين كالنتيجة المأخوذة من قصص القرى الظالمة التي أخذهم الله بظلمهم وهما متفرعتان عليها ناظرتان إليها ، ولم يكن ظلم هؤلاء الأمم الهالكة في شركهم بالله تعالى وعبادة الأصنام فحسب بل كان مما ذمه الله من فعالهم اتباع الظالمين والفساد في الأرض بعد إصلاحها وهو الاستنان بالسنن الظالمة التي يقيمها الولاة الجائرون ، ويستن بها الناس وهم بذلك ظالمون.
ومن المعلوم أيضا من السياق أن الآيتين مترتبتان في غرضهما فالأولى تنهى عن أن يكونوا من أولئك الذين ظلموا ، والثانية تنهى أن يقتربوا منهم ويميلوا إليهم ويعتمدوا في حقهم على باطلهم فقوله:"لا تركنوا إلى الذين ظلموا"نهي عن الميل إليهم والاعتماد عليهم والبناء على باطلهم في أمر أصل الدين والحياة الدينية جميعا.
ووقوع الآيتين موقع النتيجة المتفرعة على ما تقدم من القصص المذكورة يفيد أن المراد بالذين ظلموا في الآية ليس من تحقق منه الظلم تحققا ما وإلا لعم جميع الناس إلا أهل العصمة ولم يبق للنهي حينئذ معنى ، وليس المراد بالذين ظلموا الظالمين أي المتلبسين بهذا الوصف المستمرين في ظلمهم فإن لإفادة الفعل الدال على مجرد التحقق معنى الصفة الدالة على التلبس والاستمرار أسبابا لا يوجد في المقام منها شيء ولا دلالة لشيء على شيء جزافا.