فهرس الكتاب

الصفحة 2226 من 4314

بل المراد بالذين ظلموا أناس حالهم في الظلم حال أولئك الذين قصهم الله في الآيات السابقة من الأمم الهالكة ، وكان الشأن في قصتهم أنه تعالى أخذ الناس جملة واحدة في قبال الدعوة الإلهية المتوجهة إليهم ثم قسمهم إلى من قبلها منهم وإلى من ردها ثم عبر عمن قبلها بالذين آمنوا في بضعة مواضع من القصص المذكورة وعمن ردها بالذين ظلموا وما يقرب منه في أكثر من عشر مواضع كقوله:"و لا تخاطبني في الذين ظلموا"وقوله:"و أخذت الذين ظلموا الصيحة"وقوله:"و تلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد"وقوله:"ألا إن ثمود كفروا ربهم"وقوله:"ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود"إلى غير ذلك.

فقد عبر سبحانه عن ردهم وقبولهم قبال الدعوة الإلهية وبالقياس إليها بالفعل الماضي الدال على مجرد التحقق والوقوع ، وأما في الخارج من مقام القياس والنسبة فإن التعبير بالصفة كقوله:"و قيل بعدا للقوم الظالمين"وقوله:"و ما هي من الظالمين"وقوله:"و لا تتولوا مجرمين"إلى غير ذلك وهو كثير.

ومقتضى مقام القياس والنسبة إلى الدعوة قبولا وردا أن يكتفي بمجرد الوقوع والتحقق ، ويبين أنهم وسموا بإحدى السمتين: الإيمان أو الظلم ، ولا حاجة إلى ذكر الاتصاف والاستمرار بالتلبس فمفاد قوله: ظلموا وعصوا واتبعوا أمر فرعون أنهم وسموا بسمة الظلم والعصيان واتباع أمر فرعون ، ومعنى نجينا الذين آمنوا نجينا الذين اتسموا بسمة الإيمان وتعلموا بعلامته.

فكان التعبير بالماضي كافيا في إفادة أصل الاتسام المذكور وإن كان مما يلزمه الاتصاف ، وبعبارة أخرى الذين ظلموا من قوم نوح صاروا بذلك ظالمين لكن العناية إنما تعلقت بحسب المقام بتحقق الظلم منهم لا بصيرورته وصفا لهم لا يفارقهم بعد ذلك ، ولذا ترى أنه كلما خرج الكلام عن مقام القياس والنسبة بوجه عاد إلى التعبير بالصفة كقوله:"بعدا للقوم الظالمين"وقوله:"و لا تكن مع الكافرين"فافهم ذلك.

ومن هنا يظهر ما في تفسير القوم قوله:"الذين ظلموا"حيث أخذه بعضهم دالا على مجرد تحقق ظلم ما ، وآخرون بمعنى الوصف أي لا تركنوا إلى الظالمين ، قال صاحب المنار في تفسيره ،: فسر الزمخشري"الذين ظلموا"بقوله: أي إلى الذين وجد منهم الظلم ولم يقل: إلى الظالمين ، وحكى أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له ، فقال؟ هذا فيمن ركن إلى ظلم فكيف بالظالم انتهى.

ومعنى هذا أن الوعيد في الآية يشمل من مال ميلا يسيرا إلى من وقع منه ظلم قليل أي ظلم كان ، وهذا غلط أيضا وإنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردوهم عنه فهم كالذين كفروا في الآيات الكثيرة التي يراد بها فريق الكافرين لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي وحسبك منه قوله تعالى:"إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6 ، والمخاطبون بالنهي هم المخاطبون في الآية السابقة بقوله:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك".

وقد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة به في الآيات 37 ، 67 ، 94 ، وعبر عنهم فيها بالظالمين أيضا كقوله:"و قيل بعدا للقوم الظالمين"فلا فرق في هذه الآيات بين التعبير بالوصف والتعبير بالذي وصلته فإنهما في الكلام عن الأقوام بمعنى واحد - انتهى.

أما قول صاحب الكشاف:"إن المراد بالذين ظلموا"الذين وجد منهم الظلم ولم يقل:"إلى الظالمين"فهو كذلك لكنه لا ينفعه فإن التعبير بالفعل في ما قررناه من المقام وإن كان لا يفيد أزيد من تحقق المعنى الحدثي ووقوعه لكنه ينطبق على معنى الوصف كما في قوله تعالى:"فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى": النازعات: 41 حيث عبر بالفعل وهو منطبق على معنى الصفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت