و كذا السابقون الأولون نهوا عن أمور هي أعظم من الركون المذكور أو مثله كقوله:"و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"نزلت في أهل بدر وفيهم السابقون الأولون وقد وصف بعضهم بقوله:"الذين ظلموا"وهو أشد لحنا من قوله:"و لا تركنوا إلى الذين ظلموا"، وكعدة من النواهي الواردة في كلامه في قصص بدر وأحد وحنين ، والنواهي الموجهة إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكل ذلك مما لم يكن يظن بالسابقين الأولين أن يبتلوا به على أن بعضهم ابتلي ببعضها بعد.
الثالث: أن الآية بما لها من السياق المؤيد بإشعار المقام إنما تنهى عن الركون إلى الذين ظلموا فيما هم فيه ظالمون أي بناء المسلمين دينهم الحق أو حياتهم الدينية على شيء من ظلمهم وهو أن يراعوا في قولهم الحق وعملهم الحق جانب ظلمهم وباطلهم حتى يكون في ذلك إحياء للحق بسبب إحياء الباطل ، ومآله إلى إحياء حق بإماتة حق آخر كما تقدمت الإشارة إليه.
وأما الميل إلى شيء من ظلمهم وإدخاله في الدين أو إجراؤه في المجتمع الإسلامي أو في ظرف الحياة الشخصية فليس من الركون إلى الظالمين بل هو دخول في زمرة الظالمين.
وقد اختلط هذا الأمر على كثير من المفسرين فأوردوا في المقام أبحاثا لا تمس الآية أدنى مس ، وقد أغمضنا عن إيرادها والبحث في صحتها وسقمها إيثارا للاختصار ومن أراد الوقوف عليها فليراجع تفاسيرهم.
قوله تعالى:"و أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات"إلخ ، طرفا النهار هو الصباح والمساء والزلف جمع زلفى كقرب جمع قربى لفظا ومعنى على ما قيل ، وهو وصف ساد مسد موصوفه كالساعات ونحوها ، والتقدير وساعات من الليل أقرب من النهار.
والمعنى أقم الصلاة في الصباح والمساء وفي ساعات من الليل هي أقرب من النهار ، وينطبق من الصلوات الخمس اليومية على صلاة الصبح والعصر وهي صلاة المساء والمغرب والعشاء الآخرة ، وقتهما زلف من الليل كما قاله بعضهم ، أو على الصبح والمغرب ووقتهما طرفا النهار والعشاء الآخرة ووقتها زلف من الليل كما قاله آخرون ، وقيل غير ذلك.
لكن البحث لما كان فقهيا كان المتبع فيه ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل بيته (عليهم السلام) من البيان ، وسيجيء في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
وقوله:"إن الحسنات يذهبن السيئات"تعليل لقوله:"و أقم الصلاة"وبيان أن الصلوات حسنات واردة على نفوس المؤمنين تذهب بآثار المعاصي وهي ما تعتريها من السيئات ، وقد تقدم كلام في هذا الباب في مسألة الحبط في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
وقوله:"ذلك ذكرى للذاكرين"أي هذا الذي ذكر وهو أن الحسنات يذهبن السيئات على رفعة قدرة تذكار للمتلبسين بذكر الله تعالى من عباده.
قوله تعالى:"و اصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"ثم أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر بعد ما أمره بالصلاة كما جمع بينهما في قوله:"و استعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 45 وذلك أن كلا منهما في بابه من أعظم الأركان أعني الصلاة في العبادات ، والصبر في الأخلاق وقد قال تعالى في الصلاة:"و لذكر الله أكبر": العنكبوت: 45 وقال في الصبر:"إن ذلك لمن عزم الأمور": الشورى: 43.
واجتماعهما أحسن وسيلة يستعان بها على النوائب والمكاره فالصبر يحفظ النفس عن القلق والجزع والانهزام ، والصلاة توجهها إلى ناحية الرب تعالى فتنسى ما تلقاه من المكاره ، وقد تقدم بيان في ذلك في تفسير الآية 45 من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب.
وإطلاق الأمر بالصبر يعطي أن المراد به الأعم من الصبر على العبادة والصبر عن المعصية والصبر عند النائبة ، وعلى هذا يكون أمرا بالصبر على جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي أعني قوله:"فاستقم""و لا تطغوا""و لا تركنوا""و أقم الصلاة".