لكن أفراد الأمر وتخصيصه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفيد أنه صبر في أمر يختص به وإلا قيل: و"اصبروا"جريا على السياق ، وهذا يؤيد قول من قال: إن المراد اصبر على أذى قومك في طريق دعوتك إلى الله سبحانه وظلم الظالمين منهم ، وأما قوله:"و أقم الصلاة"فإنه ليس أمرا بما يخصه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلاة بل أمر بإقامته الصلاة بمن تبعه من المؤمنين جماعة فهو أمر لهم جميعا بالصلاة فافهم ذلك.
وقوله:"فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"تعليل للأمر بالصبر.
قوله تعالى:"فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض"إلخ لو لا بمعنى هلا وإلا يفيد التعجيب والتوبيخ ، والمعنى هلا كان من القرون التي كانت من قبلكم وقد أفنيناها بالعذاب والهلاك أولوا بقية أي قوم باقون ينهون عن الفساد في الأرض ليصلحوا بذلك فيها ويحفظوا أمتهم من الاستئصال.
وقوله:"إلا قليلا ممن أنجينا منهم"استثناء من معنى النفي في الجملة السابقة فإن المعنى: من العجب أنه لم يكن من القرون الماضية مع ما رأوا من آيات الله وشاهدوا من عذابه بقايا ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب والهلاك منهم فإنهم كانوا ينهون عن الفساد.
وقوله:"و اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين"بيان حال الباقي منهم بعد الاستثناء وهم أكثرهم وعرفهم بأنهم الذين ظلموا وبين أنهم اتبعوا لذائذ الدنيا التي أترفوا فيها وكانوا مجرمين.
وقد تحصل بهذا الاستثناء وهذا الباقي الذي ذكر حالهم تقسيم الناس إلى صنفين مختلفين: الناجون بإنجاء الله والمجرمون ولذلك عقبه بقوله:"و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك".
قوله تعالى:"و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"أي لم يكن من سنته تعالى إهلاك القرى التي أهلها مصلحون لأن ذلك ظلم ولا يظلم ربك أحدا فقوله:"بظلم"قيد توضيحي لا احترازي ، ويفيد أن سنته تعالى عدم إهلاك القرى المصلحة لكونه من الظلم"و ما ربك بظلام للعبيد".
قوله تعالى:"و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك - إلى قوله - أجمعين"الخلف خلاف القدام وهو الأصل فيما اشتق من هذه المادة من المشتقات يقال: خلف أباه أي سد مسده لوقوعه بعده ، وأخلف وعده أي لم يف به كأنه جعله خلفه ، ومات وخلف ابنا أي تركه خلفه ، واستخلف فلانا أي طلب منه أن ينوب عنه بعد غيبته أو موته أو بنوع من العناية كاستخلاف الله تعالى آدم وذريته في الأرض ، وخالف فلان فلانا وتخالفا إذا تفرقا في رأي أو عمل كأن كلا منهما يجعل الآخر خلفه ، وتخلف عن أمره إذا أدبر ولم يأتمر به ، واختلف القوم في كذا إذا خالف بعضهم بعضا فيه فجعله خلفه ، واختلف القوم إلى فلان إذا دخلوا عليه واحدا بعد واحد ، واختلف فلان إلى فلان إذا دخل عليه مرات كل واحدة بعد أخرى.
ثم الاختلاف ويقابله الاتفاق من الأمور التي لا يرتضيها الطبع السليم لما فيه من تشتيت القوى وتضعيفها وآثار أخرى غير محمودة من نزاع ومشاجرة وجدال وقتال وشقاق كل ذلك يذهب بالأمن والسلام غير أن نوعا منه لا مناص منه في العالم الإنساني وهو الاختلاف من حيث الطبائع المنتهية إلى اختلاف البنى فإن التركيبات البدنية مختلفة في الأفراد وهو يؤدي إلى اختلاف الاستعدادات البدنية والروحية وبانضمام اختلاف الأجواء والظروف إلى ذلك يظهر اختلاف السلائق والسنن والآداب والمقاصد والأعمال النوعية والشخصية في المجتمعات الإنسانية ، وقد أوضحت الأبحاث الاجتماعية أن لو لا ذلك لم يعش المجتمع الإنساني ولا طرفة عين.
وقد ذكره الله تعالى في كتابه ونسبه إلى نفسه حيث قال:"نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا": الزخرف: 32.
ولم يذمه تعالى في شيء من كلامه إلا إذا صحب هوى النفس وخالف هدى العقل.