فهرس الكتاب

الصفحة 2231 من 4314

و ليس منه الاختلاف في الدين فإن الله سبحانه يذكر أنه فطر الناس على معرفته وتوحيده وسوى نفس الإنسان فألهمها فجورها وتقواها ، وأن الدين الحنيف هو من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ولذلك نسب الاختلاف في الدين في مواضع من كلامه إلى بغي المختلفين فيه وظلمهم"فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم".

وقد جمع الله الاختلافين في قوله:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه - وهذا هو الاختلاف الأول في الحياة والمعيشة - وما اختلف فيه - وهذا هو الاختلاف الثاني في الدين - إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": البقرة: 213 فهذا ما يعطيه كلامه تعالى في معنى الاختلاف.

والذي ذكره بقوله:"و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"يريد به رفع الاختلاف من بينهم وتوحيدهم على كلمة واحدة يتفقون فيه ، ومن المعلوم أنه ناظر إلى ما ذكره تعالى في الآيات السابقة على هذه الآية من اختلافهم في أمر الدين وانقسامهم إلى طائفة أنجاهم الله وهم قليل وطائفة أخرى وهم الذين ظلموا.

فالمعنى أنهم وإن اختلفوا في الدين فإنهم لم يعجزوا الله بذلك ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون في الدين فهو نظير قوله:"و على الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين": النحل: 9 وقوله:"أ فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا": الرعد: 31.

وعلى هذا فقوله:"و لا يزالون مختلفين"إنما يعني به الاختلاف في الدين فحسب فإن ذلك هو الذي يذكر لنا أن لو شاء لرفعه من بينهم ، والكلام في تقدير: لو شاء الله لرفع الاختلاف من بينهم لكنه لم يشأ ذلك فهم مختلفون دائما.

على أن قوله:"إلا من رحم ربك"يصرح أنه رفعه عن طائفة رحمهم ، والاختلاف في غير الدين لم يرفعه الله تعالى حتى عن الطائفة المرحومة ، وإنما رفع عنهم الاختلاف الديني الذي يذمه وينسبه إلى البغي بعد العلم بالحق.

وقوله:"إلا من رحم ربك"استثناء من قوله:"و لا يزالون مختلفين"أي الناس يخالف بعضهم بعضا في الحق أبدا إلا الذين رحمهم الله فإنهم لا يختلفون في الحق ولا يتفرقون عنه ، والرحمة هي الهداية الإلهية كما يفيده قوله:"فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه": البقرة: 213.

فإن قلت: معنى اختلاف الناس أن يقابل بعضهم بعضا بالنفي والإثبات فيصير معنى قوله:"و لا يزالون مختلفين"أنهم منقسمون دائما إلى محق ومبطل ، ولا يصح حينئذ ورود الاستثناء عليه إلا بحسب الأزمان دون الأفراد وذلك أن انضمام قوله:"إلا من رحم ربك"إليه يئول المعنى إلى مثل قولنا: إنهم منقسمون دائما إلى مبطلين ومحقين إلا من رحم ربك منهم فإنهم لا ينقسمون إلى قسمين ، بل يكونون محقين فقط ، ومن المعلوم أن المستثنين منهم هم المحقون فيرجع معنى الكلام إلى مثل قولنا: إن منهم مبطلين ومحقين والمحقون محقون لا مبطل فيهم ، وهذا كلام لا فائدة فيه.

على أنه لا معنى لاستثناء المحقين من حكم الاختلاف أصلا وهم من الناس المختلفين ، والاختلاف قائم بهم وبالمبطلين معا.

قلت: الاختلاف المذكور في هذه الآية وسائر الآيات المتعرضة له الذامة لأهله إنما هو الاختلاف في الحق ومخالفة البعض للبعض في الحق وإن كانت توجب كون بعض منهم على الحق وعلى بصيرة من الأمر لكنه إذا نسب إلى المجموع وهو المجتمع كان لازمه ارتياب المجتمع وتفرقهم عن الحق وعدم اجتماعهم عليه وتركهم إياه بحياله ، ومقتضاه اختفاء الحق عنهم وارتيابهم فيه.

والله سبحانه إنما يذم الاختلاف من جهة لازمة هذا وهو التفرق والإعراض عن الحق والآيات تشهد بذلك فإنه تعالى يذم فيها جميع المختلفين باختلافهم لا المبطلين من بينهم فلو لا أن المراد بالمختلفين أهل الآراء أو الأعمال المختلفة التي تفرقهم عن الحق لم يصح ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت