و من أحسن ما يؤيده قوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13 حيث عبر عن الاختلاف بالتفرق ، وكذا قوله:"و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: 153 وهذا أوضح دلالة من سابقه فإنه يجعل أهل الحق الملازمين لسبيله خارجا من أهل التفرق والاختلاف.
ولذلك ترى أنه سبحانه في غالب ما يذكر اختلافهم في الكتاب يردفه بارتيابهم فيه كقوله فيما مرت من الآيات:"و لقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب": آية - 110 من السورة وقد كرر هذا المعنى في مواضع من كلامه.
وقال تعالى:"عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون": النبأ: 3 أي يأتي فيه كل بقول يبعدهم من الحق فيتفرقون وقال:"إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون": الذاريات: 10 أي قول لا يقف على وجه ولا يبتني على علم بل الخرص والظن هو الذي أوجده فيكم.
وفي هذا المعنى قوله تعالى:"يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون": آل عمران: 71 فإن هذا اللبس المذموم منهم إنما كان بإظهار قول يشبه الحق وليس به وهو إلقاء التفرق الذي يختفي به الحق.
فالمراد باختلافهم إيجادهم أقوالا وآراء يتفرقون بها عن الحق ويظهر بها الريب فهم لاتباعهم أهواءهم المخالفة للحق يظهرون آراءهم الباطلة في صور متفرقة تضاهي صورة الحق ليحجبوه عن أفهام الناس بغيا وعدوانا بعد علمهم بالحق فهو اختلافهم في الحق بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
ويتبين بما تقدم على طوله أن الإشارة بقوله:"و لذلك خلقهم"إلى الرحمة المدلول عليه بقوله:"إلا من رحم ربك"والتأنيث اللفظي في لفظ الرحمة لا ينافي تذكير اسم الإشارة لأن المصدر جائز الوجهين ، قال تعالى:"إن رحمة الله قريب من المحسنين": الأعراف: 56 وذلك لأنك عرفت أن هذا الاختلاف بغي منهم يفرقهم عن الحق ويستره ويظهر الباطل ولا يجوز كون الباطل غاية حقيقية للحق تعالى في خلقه ، ولا معنى لأن يوجد الله سبحانه العالم الإنساني ليبغوا ويميتوا الحق ويحيوا الباطل فيهلكهم ثم يعذبهم بنار خالدة ، فالقرآن الكريم يدفع هذا بجميع بياناته.
على أن سياق الآيات - مع الغض عما ذكر - يدفع ذلك فإنها في مقام بيان أن الله تعالى يدعو الناس برأفته ورحمته إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم من غير أن يريد بهم ظلما ولا شرا ، ولكنهم بظلمهم واختلافهم في الحق يستنكفون عن دعوته ، ويكذبون بآياته ، ويعبدون غيره ، ويفسدون في الأرض فيستحقون العذاب ، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ، ولا أن يخلقهم ليبغوا ويفسدوا فيهلكهم فالذي منه هو الرحمة والهداية ، والذي من بغيهم واختلافهم وظلمهم يرجع إليهم أنفسهم ، وهذا هو الذي يعطيه سياق الآيات.
وكون الرحمة أعني الهداية غاية مقصودة في الخلقة إنما هو لاتصالها بما هو الغاية الأخيرة وهو السعادة كما في قوله حكاية عن أهل الجنة:"و قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا": الأعراف: 43 وهذا نظير عد العبادة غاية لها لاتصالها بالسعادة في قوله:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات: 56.
وقوله:"و تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين"أي حقت كلمته تعالى وأخذت مصداقها منهم بما ظلموا واختلفوا في الحق من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، والكلمة هي قوله:"لأملأن جهنم"إلخ.
والآية نظيره قوله:"و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": الم السجدة: 13 والأصل في هذه الكلمة ما ألقاه الله تعالى إلى إبليس لعنه الله إذ قال:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 والآيات متحدة المضمون يفسر بعضها بعضا.