فهرس الكتاب

الصفحة 2249 من 4314

أما قوله: إن منشأ حسدهم وبغيهم اختلاف الأمهات وخاصة الإماء منهن"إلخ"ففيه: أن استدعاء اختلاف الأمهات اختلاف الأولاد وإن كان مما لا يسوغ إنكاره ، ووجود ذلك في المورد محتمل ، لكن السبب المذكور في كلامه تعالى لذلك غير هذا ، ولو كان هو السبب الوحيد لفعلوا بأخي يوسف ما فعلوا به ولم يقنعوا به.

وأما قوله:"و هو الذي أضلهم من غريزة الوالدين في زيادة العطف على صغار الأولاد وضعافهم"ومفاده أن محبة يعقوب ليوسف إنما كانت رقة وترحما غريزيا منه لصغرهما كما هو المشهود من الآباء بالنسبة إلى صغار أولادهم ما داموا صغارا فإذا كبروا انتقلت إلى من هو أصغر منهم.

ففيه: أن هذا النوع من الحب المشوب بالرقة والترحم مما يسلمه الكبار للصغار وينقطعون عن مزاحمتهم ومعارضتهم في ذلك ، ترى كبراء الأولاد إذا شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم وضعفائهم واعترضوا بأن ذلك خلاف التعديل والتسوية فأجيبوا بأنهم صغار ضعفاء يجب أن يرق لهم ويرحموا ويعانوا حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة سكتوا وانقطعوا عن الاعتراض وأقنعهم ذلك.

فلو كانت صورة حب يعقوب ليوسف وأخيه صورة الرقة والرأفة والرحمة لهما لصغرهما وهي التي يعهدها كل من العصبة في نفسه ويذكرها من أبيه له في حال صغره لم يعيبوها ولم يذموا أباهم عليها ولكان قولهم"و نحن عصبة"دليلا عليهم يدل على ضلالهم في نسبة أبيهم إلى الضلال لا دليلا لهم يدل على ضلال أبيهم في زيادة حبه لهما.

على أنهم قالوا لأبيهم حينما كلموا أباهم في أمر يوسف:"ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون"ومن المعلوم أن إكرامه ليوسف وضمه إليه ومراقبته له وعدم أمن أحد منهم عليه ، أمر وراء المحبة بالرقة والرحمة له ولصغره وضعفه.

وأما قوله: وما كان يعقوب يخفى عليه هذا إلى آخر ما قال ومعناه أن هوى يعقوب في ابنه صرفه عن الواجب في تربية أولاده على علم منه بأن ذلك خلاف العدل والإنصاف وأنه سيدفعه إلى بلوى في أولاده ثم تعذيره بأن مخالفة هوى القلب وعلقة الروح مما لا يستطيعه الإنسان.

ففيه أنه إفساد للأصول المسلمة العقلية والنقلية التي يستنتج منها حقائق مقامات الأنبياء والعلماء بالله من الصديقين والشهداء والصالحين وما بني عليه البحث عن كرائم الأخلاق أن الإنسان بحسب فطرته في سعة من التخلق بها ومحق الرذائل النفسانية التي أصلها وأساسها اتباع هوى النفس وإيثار مرضاة الله سبحانه على كل مرضاة وبغية ، وهذا أمر نرجوه من كل من ارتاض بالرياضات الخلقية من أهل التقوى والورع فما الظن بالأنبياء ثم بمثل يعقوب (عليه السلام) منهم.

وليت شعري إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أن يخالف هوى نفسه في أمثال هذه الأمور فما معنى هذه الأوامر والنواهي الجمة في الدين المتعلقة بها وهل هي إلا مجازفة صريحة.

على أن فيما ذكره إزراء لمقامات أنبياء الله وأوليائه وحطا لمواقفهم العبودية إلى درجة المتوسطين من الناس أسراء هوى أنفسهم الجاهلين بمقام ربهم ، وقد عرف سبحانه الأنبياء بمثل قوله"و اجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم"الأنعام: 87 وقال في يعقوب وأبويه إبراهيم وإسحاق (عليهما السلام) :"و كلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاء وكانوا لنا عابدين": الأنبياء: 73 ، وقال فيهم أيضا:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص 46.

فأخبر أنه هداهم إلى مستقيم صراطه ولم يقيد ذلك بقيد ، وأنه اجتباهم وجمعهم وأخلصهم لنفسه فهم مخلصون - بفتح اللام - لله سبحانه لا يشاركه فيهم مشارك.

فلا يبتغون إلا ما يريده من الحق ولا يؤثرون على مرضاته مرضاة غيره سواء كان ذلك الغير أنفسهم أو غيره ، وقد كرر سبحانه في كلامه حكاية إغواء بني آدم عن الشيطان واستثنى المخلصين:"لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين": ص 83.

فالحق أن يعقوب إنما كان يحب يوسف وأخاه في الله سبحانه لما كان يتفرس منهما التقوى والكمال ومن يوسف خاصة ما كانت تدل عليه رؤياه أن الله سيجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب ، ولم يكن حبه هوى البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت