فهرس الكتاب

الصفحة 2250 من 4314

و منها ما ذكره بعضهم أن مرادهم من قولهم:"إن أبانا لفي ضلال مبين"ضلاله في الدين ، وقد عرفت أن سياق الآيات الكريمة يدفعه.

ويقابل هذا القول بوجه قول آخرين: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء وإنما نسبوا أباهم إلى الضلال في سيرته والعدول في أمرهم عن العدل والاستقامة ، وإذا اعترض عليهم بما ارتكبوه من المعصية والظلم في أخيهم وأبيهم.

أجابوا عنه بأن ذلك كانت معصية صغيرة صدرت عنهم قبل النبوة أو لا بأس به بناء على جواز صدور الصغائر عن الأنبياء قبل النبوة وربما أجيب بجواز أن يكونوا حين صدور المعصية صغارا مراهقين ومن الجائز صدور أمثال هذه الأمور عن الأطفال المراهقين.

وهذه أوهام مدفوعة ، وليس قوله تعالى:"و أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط: النساء: 163 الظاهر في نبوة الأسباط صريحا في إخوة يوسف."

والحق أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بل كانوا أولاد أنبياء حسدوا يوسف وأذنبوا بما ظلموا يوسف الصديق ثم تابوا إلى ربهم وأصلحوا وقد استغفر لهم يعقوب ويوسف (عليه السلام) كما حكى الله عن أبيهم قوله:"سوف أستغفر لكم ربي": الآية: 98 من السورة بعد قولهم:"يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين"وعن يوسف قوله:"يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين": الآية: 92 من السورة بعد اعترافهم له بقولهم:"و إن كنا لخاطئين".

ومنها: قول بعضهم: إن إخوة يوسف إنما حسدوه بعد ما قص عليهم رؤياه وقد كان يعقوب نهاه أن يقص رؤياه على إخوته والحق أن الرؤيا إنما أوجبت زيادة حسدهم وقد لحق بهم الحسد قبل ذلك كما مر بيانه.

قوله تعالى:"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين"تتمة قول إخوة يوسف والآية تتضمن الفصل الثاني من مؤامرتهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في أمر يوسف ليرسموا بذلك خطة تريح نفوسهم منه كما ذكره تعالى بقوله:"و ما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون": الآية 102 من السورة.

وقد ذكر الله سبحانه متن مؤامرتهم في هذه الآيات الثلاث:"قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إلى قوله - إن كنتم فاعلين".

فأوردوا أولا ذكر مصيبتهم في يوسف وأخيه إذ صرفا وجه يعقوب عنهم إلى أنفسهما وجذبا نفسه إليهما عن سائر الأولاد فصار يلتزمها ولا يعبأ بغيرهما ما فعلوا ، وهذه محنة حالة بهم توعدهم بخطر عظيم في مستقبل الأمر فيه سقوط شخصيتهم وخيبة مسعاهم وذلتهم بعد العزة وضعفهم بعد القوة ، وهو انحراف من يعقوب في سيرته وطريقته.

ثم تذاكروا ثانيا في طريق التخلص من الرزية بطرح كل منهم ما هيأه من الخطة ويراه من الرأي فأشار بعضهم إلى لزوم قتل يوسف ، وآخرون إلى طرحه أرضا بعيدة لا يستطيع معه العود إلى أبيه واللحوق بأهله فينسى بذلك اسمه ويمحو رسمه فيخلو وجه أبيهم لهم وينبسط حبه وحبائه فيهم.

ثم اتفقوا على ما يقرب من الرأي الثاني وهو أن يلقوه في قعر بئر ليلتقطه بعض السيارة ويذهبوا به إلى بعض البلاد النائية البعيدة فينقطع بذلك خبره ويعفى أثره.

فقوله تعالى:"اقتلوا يوسف"حكاية لأحد الرأيين منهم في أمره ، وفي ذكرهم يوسف وحده - وقد ذكروا في مفتتح كلامهم في المؤامرة يوسف وأخاه معا:"ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا"- دليل على أنه كان مخصوصا بمزيد حب يعقوب وبلوغ عنايته واهتمامه وإن كان أخوه أيضا محبوا بالحب والإكرام من بينهم وكيف لا؟ ويوسف هو الذي رأى الرؤيا وبشر بأخص العنايات الإلهية والكرامات الغيبية ، وقد كان أكبرهما والخطر المتوجه من قبله إليهم أقرب مما من قبل أخيه ، ولعل في ذكر الأخوين معا إشارة إلى حب يعقوب لأمهما الموجب لحبه بالطبع لهما وتهييج حسد الإخوة وغيظهم وحقدهم بالنسبة إليهما.

وقوله:"أو اطرحوه أرضا"حكاية رأيهم الثاني فيه ، والمعنى صيروه أو غربوه في أرض لا يقدر معه على العود إلى بيت أبيه فيكون كالمقتول ينقطع أثره ويستراح من خطره كإلقائه في بئر أو تغريبه إلى مكان ناء ونظير ذلك.

والدليل عليه تنكير"أرض"ولفظ الطرح الذي يستعمل في إلقاء الإنسان المتاع أو الأثاث الذي يستغني عنه ولا ينتفع به للإعراض عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت