و في نسبة الرأيين بالترديد إليهم ، دليل على أن مجموع الرأيين كان هو المرضي عند أكثر الإخوة حتى قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف إلخ.
وقوله:"يخل لكم وجه أبيكم"أي افعلوا به أحد الأمرين حتى يخلو لكم وجه أبيكم وهو كناية عن خلوص حبه لهم بارتفاع المانع الذي يجلب الحب والعطف إلى نفسه كأنهم ويوسف إذا اجتمعوا وأباهم حال يوسف بينه وبينهم وصرف وجهه إلى نفسه فإذا ارتفع خلا وجه أبيهم لهم واختص حبه بهم وانحصر إقباله عليهم.
وقوله:"و تكونوا من بعده قوما صالحين"أي وتكونوا من بعد يوسف أو من بعد قتله أو نفيه - والمال واحد - قوما صالحين بالتوبة من هذه المعصية.
وفي هذا دليل على أنهم كانوا يرونه ذنبا ، وإثما ، وكانوا يحترمون أمر الدين ويقدسونه لكن غلبهم الحسد وسولت لهم أنفسهم اقتراف الذنب وارتكاب المظلمة وآمنهم من عقوبة الذنب بتلقين طريق يمكنهم من الاقتراف من غير لزوم العقوبة الإلهية وهو أن يقترفوا الذنب ثم يتوبوا.
وهذا من الجهل فإن التوبة التي شأنها هذا الشأن غير مقبولة البتة فإن من يوطن نفسه من قبل على المعصية ثم التوبة منها لا يقصد بتوبته الرجوع إلى الله والخضوع لمقامه حقيقة بل إنما يقصد المكر بربه في دفع ما أوعده من العذاب والعقوبة مع المخالفة لأمره أو نهيه ، فتوبته ذيل لما وطن عليه نفسه أولا: أن يذنب فيتوب فهي في الحقيقة تتمة ما رامه أولا من نوع المعصية وهو الذنب الذي تعقبه توبة وليست رجوعا إلى ربه بالندم على ما فعل.
وقد تقدم البحث عن معنى التوبة في تفسير قوله تعالى:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"الآية: . النساء: 17 في الجزء الرابع من الكتاب.
وقيل المراد بالصلاح في الآية صلاح الأمر من حيث سعادة الحياة الدنيا وانتظام الأمور فيها والمعنى وتكونوا من بعده قوما صالحين بصلاح أمركم مع أبيكم.
قوله تعالى:"قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين"الجب هو البئر التي لم يطو أي لم يبن داخلها بالحجارة ، وإن بني بها سميت البئر طويا ، والغيابة بفتح الغين المنهبط من الأرض الذي يغيب ما فيه من الأنظار وغيابة الجب قعره الذي لا يرى لما فيه من الظلمة.
وقد اختار هذا القائل الرأي الثاني المذكور في الآية السابقة الذي يشير إليه قوله:"أو اطرحوه أرضا"إلا أنه قيده بما يؤمن معه القتل أو أمر آخر يؤدي إلى هلاكه كأن يلقى في بئر ويترك فيها حتى يموت جوعا أو ما يشاكل ذلك ، فما أبداه من الرأي يتضمن نفي يوسف من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون إهلاكا لذي رحم ، وهو أن يلقى في بعض الآبار التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه ويسيروا به إلى بلاد نائية تعفو أثره وتقطع خبره ، والسياق يشهد بأنهم ارتضوا هذا الرأي إذ لم يذكر رد منهم بالنسبة إليه وقد جرى عملهم عليه كما هو مذكور في الآيات التالية.
واختلف المفسرون في اسم هذا القائل بعد القطع بأنه كان أحد إخوته لقوله تعالى"قال قائل منهم"فقيل: هو روبين ابن خالة يوسف ، وقيل: هو يهوذا ، وقد كان أسنهم وأعقلهم ، وقيل: هو لاوى ، ولا يهمنا البحث فيه بعد ما سكت القرآن عن تعريفه باسمه لعدم ترتب فائدة هامة عليه.
وذكر بعضهم: أن تعريف الجب باللام يدل على أنه كان جبا معهودا فيما بينهم.
وهو حسن لو لم يكن اللام للجنس ، وقد اختلفوا أيضا في أن هذا الجب أين كان؟ هو على أقوال مختلفة لا يترتب على شيء منها فائدة طائلة.
قوله تعالى:"قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون"أصل"لا تأمنا"لا تأمننا ثم أدغم بالإدغام الكبير.
والآية تدل على أن الإخوة أجمعوا على قول القائل: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ، وأجمعوا على أن يمكروا بأبيهم فيأخذوا يوسف ويفعلوا به ما عزموا عليه وقد كان أبوهم لا يأمنهم على يوسف ولا يخليه وإياهم فكان من الواجب قبلا أن يزكوا أنفسهم عند أبيهم ويجلوا قلبه من كدر الشبهة والارتياب حتى يتمكنوا من أخذه والذهاب به.