و لذلك جاءوا أباهم وخاطبوه بقولهم:"يا أبانا - وفيه إثارة للعطف والرحمة وإيثار للمودة - ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون"أي والحال أنا لا نريد به إلا الخير ولا نبتغي إلا ما يرضيه ويسره.
ثم سألوه ما يريدونه وهو أن يرسله معهم إلى مرتعهم الذي كانوا يخرجون إليه ماشيتهم وغنمهم ليرتع ويلعب هناك ، وهم حافظون له فقالوا:"أرسله معنا"إلخ.
قوله تعالى:"أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون"الرتع هو توسع الحيوان في الرعي والإنسان في التنزه وأكل الفواكه ونحو ذلك.
وقولهم"أرسله معنا غدا يرتع ويلعب"اقتراح لمسئولهم كما تقدمت الإشارة إليه وقولهم:"و إنا له لحافظون"أكدوه بوجوه التأكيد: إن واللام والجملة الاسمية على وزان قولهم:"و إنا له لناصحون"كما يدل أن كل واحدة من الجملتين تتضمن نوعا من التطيب لنفس أبيهم كأنهم قالوا: ما لك لا تأمنا على يوسف فإن كنت تخاف عليه إيانا معشر الإخوة كأن نقصده بسوء فإنا له لناصحون وإن كنت تخاف عليه غيرنا مما يصيبه أو يقصده بسوء كان يدهمه المكروه ونحن مساهلون في حفظه ومستهينون في كلاءته فإنا له لحافظون.
فالكلام مسوق على ترتيبه الطبعي: ذكروا أولا أنه في أمن من ناحيتهم دائما ثم سألوا أن يرسله معهم غداة غد ثم ذكروا أنهم حافظون له ما دام عندهم ، وبذلك يظهر أن قولهم:"و إنا له لناصحون"تأمين له دائمي من ناحية أنفسهم ، وقولهم:"و إنا له لحافظون"تأمين له موقت من غيرهم.
قوله تعالى:"قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون"هذا ما ذكر أبوهم جوابا لما سألوه ، ولم ينف عن نفسه أنه لا يأمنهم عليه وإنما ذكر ما يأخذه من الحالة النفسانية لو ذهبوا به فقال وقد أكد كلامه:"إني ليحزنني أن تذهبوا به"وقد كشف عن المانع أنه نفسه التي يحزنها ذهابهم به ولا ذهابهم به الموجب لحزنه تلطفا في الجواب معهم ولئلا يهيج ذلك عنادهم ولجاجهم وهو من لطائف النكت.
واعتذر إليهم في ذلك بقوله:"و أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون"وهو عذر موجه فإن الصحاري ذوات المراتع التي تأوي إليها المواشي وترتع فيها الأغنام لا تخلو طبعا من ذئاب أو سباع تقصدها وتكمن فيها للافتراس والاصطياد فمن الجائز أن يقبلوا على بعض شأنهم ويغفلوا عنه فيأكله الذئب.
قوله تعالى:"قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون"تجاهلوا لأبيهم كأنهم لم يفقهوا إلا أنه يأمنهم عليه لكن يخاف أن يأكله الذئب على حين غفلة منهم فردوه رد منكر مستغرب ، وذكروا لتطيب نفسه أنهم جماعة أقوياء متعاضدون ذوو بأس وشدة ، وأقسموا بالله إن أكل الذئب إياه وهم عصبة يقضي بخسرانهم ولن يكونوا خاسرين البتة ، وإنما أقسموا - كما يدل عليه لام القسم - ليطيبوا نفسه ويذهبوا بحزنه فلا يمنعهم من الذهاب به ، وهذا شائع في الكلام"و في الكلام وعد ضمني منهم له أنهم لن يغفلوا"لكنهم لم يلبثوا يوما حتى كذبوا أنفسهم فيما أقسموا له وأخلفوه ما وعدوه إذ قالوا:"يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب"الآية.
قوله تعالى:"و لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب قال الراغب: أجمعت على كذا أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو فأجمعوا أمركم وشركاءكم."
قال: ويقال أجمع المسلمون على كذا اتفقت آراؤهم عليه.
انتهى.
وفي المجمع ،: أجمعوا أي عزموا جميعا أن يجعلوه في غيابة الجب أي قعر البئر واتفقت دواعيهم عليه فإن من دعاه داع واحد إلى الشيء لا يقال فيه أنه أجمع عليه فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي.
انتهى.
والآية تشعر بأنهم أقنعوا أباهم بما قالوا له من القول وأرضوه أن لا يمنعهم أن يخرجوا يوسف معهم إلى الصحراء فحملوه معهم لإنفاذ ما أزمعوا عليه من إلقائه في غيابة الجب.