و جواب لما محذوف للدلالة على فجاعة الأمر وفظاعته ، وهي صنعة شائعة في الكلام ترى المتكلم يصف أمرا فظيعا كقتل فجيع يحترق به القلب ولا يطيقه السمع فيشرع في بيان أسبابه والأحوال التي تؤدي إليه فيجري في وصفه حتى إذا بلغ نفس الحادثة سكت سكوتا عميقا ثم وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدل بذلك على أن صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغا لا يسع المتكلم أن يصرح به ولا يطيق السامع أن يسمعه.
فكأن الذي يصف القصة - عز اسمه - لما قال:"و لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب"سكت مليا وأمسك عن ذكر ما فعلوا به أسى وأسفا لأن السمع لا يطيق وعي ما فعلوا بهذا الطفل المعصوم المظلوم النبي ابن الأنبياء ولم يأت بجرم يستحق به شيئا مما ارتكبوه فيه وهم إخوته وهم يعلمون مبلغ حب أبيه النبي الكريم يعقوب له فيا قاتل الله الحسد يهلك شقيقا مثل يوسف الصديق بأيدي إخوته ، ويثكل أبا كريما مثل يعقوب بأيدي أبنائه ، ويزين بغيا شنيعا كهذا في أعين رجال ربوا في حجر النبوة ونشئوا في بيت الأنبياء.
ولما حصل الغرض بالسكوت عن جواب لما جرى سبحانه في ذيل القصة فقال:"و أوحينا إليه"إلخ.
قوله تعالى:"و أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"الضمير ليوسف وظاهر الوحي أنه من وحي النبوة ، والمراد بأمرهم هذا إلقاؤهم إياه في غيابة الجب ، وكذا الظاهر أن جملة"و هم لا يشعرون"حال من الإيحاء المدلول عليه بقوله:"و أوحينا""إلخ"ومتعلق"لا يشعرون"هو الأمر أي لا يشعرون بحقيقة أمرهم هذا أو الإيحاء أي وهم لا يشعرون بما أوحينا إليه.
والمعنى - والله أعلم - وأوحينا إلى يوسف أقسم لتخبرنهم بحقيقة أمرهم هذا وتأويل ما فعلوا بك فإنهم يرونه نفيا لشخصك وإنساء لاسمك وإطفاء لنورك وتذليلا لك وحطا لقدرك وهو في الحقيقة تقريب لك إلى أريكة العزة وعرش المملكة وإحياء لذكرك وإتمام لنورك ورفع لقدرك وهم لا يشعرون بهذه الحقيقة وستنبئهم بذلك وهو قوله لهم وقد اتكى على أريكة العزة وهم قيام أمامه يسترحمونه بقولهم:"يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين"إذ قال:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون - إلى أن قال - أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا"إلخ.
انظر إلى موضع قوله:"هل علمتم"فإنه إشارة إلى أن هذا الذي تشاهدونه اليوم من الحال هو حقيقة ما فعلتم بيوسف ، وقوله:"إذ أنتم جاهلون"فإنه يحاذي من هذه الآية التي نحن فيها قوله:"و هم لا يشعرون".
وقيل: في معنى الآية وجوه أخر: منها: أنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك ، وهو الذي أخبرهم به في مصر وهم لا يعرفونه ثم عرفهم نفسه.
ومنها: أن المراد بإنبائه إياهم مجازاتهم بسوء ما فعلوا كمن يتوعد من أساء إليه فيقول: لأنبئنك ولأعرفنك.
ومنها: قول بعضهم كما روي عن ابن عباس أن المراد بإنبائه إياهم بأمرهم ما جرى له مع إخوته بمصر حيث رآهم فعرفهم وهم له منكرون فأخذ جاما فنقره فظن فقال: إن هذا الجام يخبرني أنكم كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب وبعتموه بثمن بخس.
وهذه وجوه لا تخلو من سخافة والوجه ما قدمناه ، وقد كثر ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى في معنى بيان حقيقة العمل كقوله تعالى:"إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون": المائدة: 105 وقوله:"و سوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون": المائدة: 14 وقوله:"يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا": المجادلة: 6 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة.
ومنها: قول بعضهم إن المعنى وأوحينا إليه ستخبرهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون بهذا الوحي.
وهذا الوجه غير بعيد لكن الشأن في بيان نكتة لتقييد الكلام بهذا القيد ولا حاجة إليه ظاهرا.
ومنها: قول بعضهم: إن معنى الآية لتخبرنهم برقي حياتك وعزتك وملكك بأمرهم هذا إذ يظهرك الله عليهم ويذلهم لك ويجعل رؤياك حقا وهم لا يشعرون يومئذ بما آتاك الله.
وعمدة الفرق بين هذا القول وما قدمناه من الوجه أن في هذا القول صرف الإنباء عن الإنباء الكلامي إلى الإنباء بالحال الخارجي والوضع العيني ، ولا موجب له بعد ما حكاه سبحانه عنه قوله:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف"إلخ.