فهرس الكتاب

الصفحة 2254 من 4314

قوله تعالى:"و جاءوا أباهم عشاء يبكون"العشاء آخر النهار ، وقيل: من صلاة المغرب إلى العتمة ، وإنما كانوا يبكون ليلبسوا الأمر على أبيهم فيصدقهم فيما يقولون ولا يكذبهم.

قوله تعالى:"قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب"إلى آخر الآية ، قال الراغب في المفردات ،: أصل السبق التقدم في السير نحو"فالسابقات سبقا"والاستباق التسابق وقال:"إنا ذهبنا نستبق""و استبقا الباب"انتهى ، وقال الزمخشري في الكشاف ،: نستبق أي نتسابق ، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل والارتماء والترامي وغير ذلك ، والمعنى نتسابق في العدو أو في الرمي.

انتهى.

وقال صاحب المنار في تفسيره ،: إنا ذهبنا نستبق أي ذهبنا من مكان اجتماعنا إلى السباق يتكلف كل منا أن يسبق غيره فالاستباق تكلف السبق وهو الغرض من المسابقة والتسابق بصيغتي المشاركة التي يقصد بها الغلب.

وقد يقصد لذاته أو لغرض آخر في السبق ، ومنه"فاستبقوا الخيرات"فهذا يقصد به السبق لذاته لا للغلب ، وقوله الآتي في هذه السورة"و استبقا الباب"كان يقصد به يوسف الخروج من الدار هربا من حيث تقصد امرأة العزيز باتباعه إرجاعه ، وصيغة المشاركة لا تؤدي هذا المعنى ، ولم يفطن الزمخشري علامة اللغة ومن تبعه لهذا الفرق الدقيق انتهى.

أقول: والذي مثل به من قوله تعالى:"فاستبقوا الخيرات"من موارد الغلب فإن من المندوب شرعا أن لا يؤثر الإنسان غيره على نفسه في الخيرات والمثوبات والقربات وأن يتقدم على من دونه في حيازه البركات فينطبق الاستباق حينئذ قهرا على التسابق وكذا قوله تعالى:"و استبقا الباب"فإن المراد به قطعا أن كلا منها كان يريد أن يسبق الآخر إلى الباب هذا ليفتحه وهذه لتمنعه من الفتح وهو معنى التسابق فالحق أن معنيي الاستباق والتسابق متحدان صدقا على المورد ، وفي الصحاح ،: سابقته فسبقته سبقا واستبقنا في العدو أي تسابقنا.

انتهى ، وفي لسان العرب ،: سابقته فسبقته ، واستبقنا في العدو ، أي تسابقنا.

انتهى.

ولعل الوجه في تصادق استبق وتسابق أن نفس السبق معنى إضافي في نفسه ، وزنة"افتعل"تفيد تأكد معنى"فعل"وإمعان الفاعل في فعله وأخذه حلية لنفسه كما يشاهد في مثل كسب واكتسب وحمل واحتمل وصبر واصطبر وقرب واقترب وخفي واختفى وجهد واجتهد ونظائرها ، وطرو هذه الخصوصية على معنى السبق على ما به من الإضافة يفيد جهد الفاعل أن يخص السبق لنفسه ولا يتم إلا مع تسابق في المورد.

وقوله:"بمؤمن لنا"أي بمصدق لقولنا ، والإيمان يتعدى باللام كما يتعدى بالباء قال تعالى:"فآمن له لوط": العنكبوت: 26.

والمعنى - أنهم حينما جاءوا أباهم عشاء يبكون - قالوا لأبيهم: يا أبانا إنا معشر الإخوة ذهبنا إلى البيداء نتسابق في عدو أو رمي - ولعله كان في عدو - فإن ذلك أبلغ في إبعادهم من رحلهم ومتاعهم وكان عنده يوسف على ما ذكروا - وتركنا يوسف عند رحلنا ومتاعنا فأكله الذئب ، ومن خيبتنا ومسكنتنا أنك لست بمصدق لنا فيما نقوله ونخبر به ولو كنا صادقين فيه.

وقولهم:"و ما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين"كلام يأتي بمثله المعتذر إذا انقطع عن الأسباب وانسدت عليه طرق الحيلة ، للدلالة على أن كلامه غير موجه عند من يعتذر إليه وعذره غير مسموع وهو يعلم بذلك لكنه مع ذلك مضطر أن يخبر بالحق ويكشف عن الصدق وإن كان غير مصدق فيه ، فهو كناية عن الصدق في المقال.

قوله تعالى:"و جاءوا على قميصه بدم كذب"الكذب بالفتح فالكسر مصدر أريد به الفاعل للمبالغة أي بدم كاذب بين الكذب.

وفي الآية إشعار بأن القميص وعليه دم - وقد نكر الدم للدلالة على هوان دلالته وضعفها على ما وصفوه - كان على صفة تكشف عن كذبهم في مقالهم فإن من افترسته السباع وأكلته لم تترك له قميصا سالما غير ممزق.

وهذا شأن الكذب لا يخلو الحديث الكاذب ولا الأحدوثة الكاذبة من تناف بين أجزائه وتناقض بين أطرافه أو شواهد من أوضاع وأحوال خارجية تحف به وتنادي بالصدق وتكشف القناع عن قبيح سريرته وباطنه وإن حسنت صورته.

كلام في أن الكذب لا يفلح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت