من المجرب أن الكذب لا يدوم على اعتباره وإن الكاذب لا يلبث دون أن يأتي بما يكذبه أو يظهر ما يكشف القناع عن بطلان ما أخبر به أو ادعاه ، والوجه فيه أن الكون يجري على نظام يرتبط به بعض أجزائه ببعض بنسب وإضافات غير متغيرة ولا متبدلة فلكل حادث من الحوادث الخارجية الواقعة لوازم وملزومات متناسبة لا ينفك بعضها من بعض ، ولها جميعا فيما بينها أحكام وآثار يتصل بعضها ببعض ، ولو اختل واحد منها لاختل الجميع وسلامة الواحد تدل على سلامة السلسلة.
وهذا قانون كلي غير قابل لورود الاستثناء عليه.
فلو انتقل مثلا جسم من مكان إلى مكان آخر في زمان كان من لوازمه أن يفارق المكان الأول ويبتعد منه ويغيب عنه وعن كل ما يلازمه ويتصل به ويخلو عنه المكان الأول ويشغل به الثاني وأن يقطع ما بينهما من الفصل إلى غير ذلك من اللوازم ، ولو اختل واحد منها كأن يكون في الزمان المفروض شاغلا للمكان الأول اختلت جميع اللوازم المحتفة به.
وليس في وسع الإنسان ولا أي سبب مفروض إذا ستر شيئا من الحقائق الكونية بنوع من التلبيس أن يستر جميع اللوازمات والملزومات المرتبطة به أو أن يخرجها عن محالها الواقعية أو يحرفها عن مجراها الكونية فإن ألقى سترا على واحدة منها ظهرت الأخرى وإلا فالثالثه وهكذا.
ومن هنا كانت الدولة للحق وإن كانت للباطل جولة ، وكانت القيمة للصدق وإن تعلقت الرغبة أحيانا بالكذب قال تعالى:"إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار": الزمر: 3 وقال:"إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب": المؤمن: 28.
وقال:"إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون": النحل: 116 وقال:"بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج": ق: 5 وذلك أنهم لما عدوا الحق كذبا بنوا على الباطل واعتمدوا عليه في حياتهم فوقعوا في نظام مختل يناقض بعض أجزائه بعضا ويدفع طرف منه طرفا.
قوله تعالى:"قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون"هذا جواب يعقوب وقد فوجىء بنعي ابنه وحبيبه يوسف دخلوا عليه وليس معهم يوسف وهم يبكون يخبرونه أن يوسف قد أكله الذئب وهذا قميصه الملطخ بالدم ، وقد كان يعلم بمبلغ حسدهم له وهم قد انتزعوه من يده بإلحاح وإصرار وجاءوا بقميصه وعليه دم كذب ينادي بكذبهم فيما قالوه وأخبروا به.
فأضرب عن قولهم:"إنا ذهبنا نستبق"إلخ بقوله:"بل سولت لكم أنفسكم أمرا"والتسويل الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم أنفسكم فيه أمرا ، وأبهم الأمر ولم يعينه ثم أخبر أنه صابر في ذلك من غير أن يؤاخذهم وينتقم منهم لنفسه انتقاما وإنما يكظم ما هجم نفسه كظما.
فقوله:"بل سولت لكم أنفسكم أمرا"تكذيب لما أخبروا به من أمر يوسف وبيان أنه على علم من أن فقد يوسف لا يستند إلى ما ذكروه من افتراس السبع وإنما يستند إلى مكر مكروه وتسويل من أنفسهم لهم ، والكلام بمنزلة التوطئة لما ذكره بعد من قوله:"فصبر جميل"إلى آخر الآية.
وقوله فصبر جميل مدح للصبر وهو من قبيل وضع السبب موضع المسبب والتقدير: سأصبر على ما أصابني فإن الصبر جميل وتنكير الصبر وحذف صفته وإبهامها للإشارة إلى فخامة أمره وعظم شأنه أو مرارة طعمه وصعوبة تحمله.
وقد فرع قوله:"فصبر جميل"على ما تقدم للإشعار بأن الأسباب التي أحاطت به وأفرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسمع له معها إلا أن يسلك سبيل الصبر ، وذلك أنه (عليه السلام) فقد أحب الناس إليه يوسف وهو ذا يذكر له أنه صار أكلة للذئب وهذا قميصه ملطخا بالدم وهو يرى أنهم كاذبون فيما يخبرونه به ، ويرى أن لهم صنعا في افتقاده ومكرا في أمره ولا طريق له إلى التحقيق فيما جرى على يوسف والتجسس مما آل إليه أمره وأين هو؟ وما حاله؟ فإنما أعوانه على أمثال هذه النوائب وأعضاده لدفع ما يقصده من المكاره إنما هم أبناؤه وهم عصبة أولوا قوة وشدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة ووقوع المصيبة فبمن يقع فيهم؟ وبما ذا يدفعهم عن نفسه؟ فلا يسعه إلا الصبر.