فهرس الكتاب

الصفحة 2256 من 4314

غير أن الصبر ليس هو أن يتحمل الإنسان ما حمله من الرزية وينقاد لمن يقصده بالسوء انقيادا مطلقا كالأرض الميتة التي تطؤها الأقدام وتلعب بها الأيدي فإن الله سبحانه طبع الإنسان على دفع المكروه عن نفسه وجهزه بما يقدم به على النوائب والرزايا ما استطاع ، ولا فضيلة في إبطال هذه الغريزة الإلهية بل الصبر هو الاستقامة في القلب وحفظ النظام النفساني الذي به يستقيم أمر الحياة الإنسانية من الاختلال ، وضبط الجمعية الداخلية من التفرق والتلاشي ونسيان التدبير واختباط الفكر وفساد الرأي فالصابرون هم القائمون في النوائب على ساق لا تزيلهم هجمات المكاره ، وغيرهم المنهزمون عند أول هجمة ثم لا يلوون على شيء.

ومن هنا يعلم أن الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة وكسر سورتها إلا أنه ليس تمام السبب في إعادة العافية وإرجاع السلامة فهو كالحصن يتحصن به الإنسان لدفع العدو المهاجم ، وأما عود نعمة الأمن والسلامة وحرية الحياة فربما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز والظفر ، وهذا السبب في ملة التوحيد هو الله عز سلطانه فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة ونزلت عليه مصيبة أن يتحصن أولا بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي ولا يتلاشى معسكر قواه ومشاعره ثم يتوكل على ربه الذي هو فوق كل سبب راجيا أن يدفع عنه الشر ويوجه أمره إلى غاية صلاح حاله ، والله سبحانه غالب على أمره ، وقد تقدم شيء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى:"و استعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 45 في الجزء الأول من الكتاب.

ولهذا كله لما قال يعقوب (عليه السلام) :"فصبر جميل"عقبه بقوله:"و الله المستعان على ما تصفون"فتمم كلمة الصبر بكلمة التوكل نظير ما أتى به في قوله في الآيات المستقبلة:"فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم": الآية 83 من السورة.

فقوله:"و الله المستعان على ما تصفون"- وهو من أعجب الكلام - بيان لتوكله على ربه يقول: إني أعلم أن لكم في الأمر مكرا وإن يوسف لم يأكله ذئب لكني لا أركن في كشف كذبكم والحصول على يوسف بالأسباب الظاهرة التي لا تغني طائلا بغير إذن من الله ولا أتشحط بينها بل أضبط استقامة نفسي بالصبر وأوكل ربي أن يظهر على ما تصفون أن يوسف قد قضى نحبه وصار أكلة لذئب.

فظهر أن قوله:"و الله المستعان على ما تصفون"دعاء في موقف التوكل ومعناه: اللهم إني توكلت عليك في أمري هذا فكن عونا لي على ما يصفه بني هؤلاء ، والكلمة مبنية على توحيد الفعل فإنها مسوقة سوق الحصر ومعناها أن الله سبحانه هو المستعان لا مستعان لي غيره فإنه (عليه السلام) كان يرى أن لا حكم حقا إلا حكم الله كما قال فيما سيأتي من كلامه:"إن الحكم إلا لله عليه توكلت"، ولتكميل هذا التوحيد بما هو أعلى منه لم يذكر نفسه فلم يقل: سأصبر ولم يقل والله أستعين على ما تصفون بل ترك نفسه وذكر اسم ربه وإن الأمر منوط بحكمه الحق وهو من كمال توحيده وهو مستغرق في وجده وأسفه وحزنه ليوسف غير أنه ما كان يحب يوسف ولا يتوله فيه ولا يجد لفقده إلا لله وفي الله.

قوله تعالى:"و جاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون"قال الراغب: الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره.

انتهى ، وقال: دلوت الدلو إذا أرسلتها ، وأدليتها إذا أخرجتها.

انتهى ، وقيل بالعكس ، وقال: الإسرار خلاف الإعلان.

انتهى.

وقوله:"قال يا بشرى هذا غلام"إيراده بالفصل مع أنه متفرع وقوعا على إدلاء الدلو للدلالة على أنه كان أمرا غير مترقب الوقوع فإن الذي يترقب وقوعه عن الإدلاء هو خروج الماء دون الحصول على غلام فكان مفاجئا لهم ولذا قال:"قال يا بشرى"ونداء البشرى كنداء الأسف والويل ونظائرهما للدلالة على حضوره وجلاء ظهوره.

وقوله:"و الله عليم بما يعملون"مفاده ذم عملهم والإبانة عن كونه معصية محفوظة عليهم سيؤاخذون بها ، ويمكن أن يكون المراد به أن ذلك إنما كان بعلم من الله أراد بذلك أن يبلغ يوسف مبلغه الذي قدر له فإنه لو لم يخرج من الجب ولم يسر بضاعة لم يدخل بيت العزيز بمصر فلم يؤت ما أوتيه من الملك والعزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت